الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث السادس أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو بالأبواء

793 [ ص: 54 ] حديث سادس لابن شهاب عن عبيد الله - مسند مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ، عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمار وحش وهو بالأبواء - أو بودان - فرده عليه رسول الله صلى الله وسلم ، قال : فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما في وجهي ، قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم .

التالي السابق


هذا حديث لم يختلف في إسناده على مالك ، ولا على ابن شهاب ، وكل من في إسناده فقد سمعه بعضهم من بعض سماعا ، كذلك في الإملاء عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عبيد الله ، قال : سمعت ابن عباس ، قال : أخبرني الصعب بن جثامة . وقد قلنا في السند المعنعن في أول كتابنا ما فيه كفاية . وممن رواه عن ابن شهاب كما رواه مالك ، معمر ، وابن جريج ، وعبد الرحمن بن الحارث ، وصالح بن كيسان ، وابن أخي ابن [ ص: 55 ] شهاب ، والليث بن سعد ، ويونس بن يزيد ، ومحمد بن عمرو بن علقمة ، كلهم قالوا فيه : أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمار وحش . كما قال مالك ، وخالفهم ابن عيينة ومحمد بن إسحاق فقالا فيه : أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حمار وحش ، وقال ابن جريج في حديثه : قلت لابن شهاب : الحمار عقير ؟ قال : لا أدري ، فقد بين ابن جريج أن ابن شهاب شك فلم يدر هل كان عقيرا أم لا ؟ إلا أن في مساق حديثه : أهديت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمار وحش فرده علي . وروى حماد بن زيد هذا الحديث عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل حتى إذا كان بقديد أهدي إليه بعض حمار ، فرده عليه وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد . هكذا قال : حماد بن زيد عن صالح بن كيسان ، عن عبيد الله ، لم يذكر ابن شهاب ، وقال : بعض حمار ، ذكره إسماعيل القاضي عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد . وعند حماد بن زيد في هذا أيضا إسناد آخر عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة ، أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحمار وحش ، فرده عليه وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد . هكذا قال في هذا الإسناد : بحمار وحش . ورواه إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب كما قدمنا ذكره ، وهو أولى بالصواب عند أهل العلم . فهذا ما في حديث [ ص: 56 ] ابن شهاب ، وقد روي عن ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ، ومقسم ، وعطاء ، وطاوس ، أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حمار وحش . قال سعيد بن جبير في حديثه : عجز حمار وحش ، فرده يقطر دما ، رواه شعبة عن الحكم ، عن سعيد بن جبير ، وقال مقسم في حديثه : رجل حمار وحش . رواه هشيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم . ذكره إسماعيل القاضي ، عن إبراهيم الهروي ، عن هشيم ، وقال عطاء في حديثه : أهدى له عضد صيد فلم يقبله ، وقال : إنا حرم رواه حماد بن سلمة ، عن قيس ، عن عطاء ، وقال طاوس في حديثه : عضوا من لحم صيد . حدث به إسماعيل عن علي بن المديني ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، إلا أن منهم من يجعله ، عن ابن عباس ، عن زيد بن أرقم . أخبرناه عبد الرحمن بن يحيى ، حدثنا أحمد بن سعيد ، حدثنا محمد بن محمد الباهلي ، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا هشام بن يوسف القاضي ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني حسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، قال : قدم زيد بن أرقم فقال له ابن عباس - يستذكره - : كيف أخبرتني عن لحم أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - حراما ؟ قال : نعم أهدى له رجل عضوا من لحم فرده عليه وقال : إنا لا [ ص: 57 ] نأكله ، إنا حرم . وكذلك رواه أبو عاصم عن ابن جريج بإسناده هذا مثله . ورواه حماد بن سلمة ، عن قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أنه قال لزيد بن أرقم : أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدي له عضو من صيد - وهو محرم - فلم يقبله ؟ قال : بلى ، قال إسماعيل : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولولا ذلك كان أكله جائزا . قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجله ، قولهم في هذا الحديث : فرده يقطر دما ، كأنه صيد في ذلك الوقت ، قال إسماعيل : وإنما تأول سليمان بن حرب الحديث الذي فيه أنه أهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حمار ، وهو موضع يحتاج إلى تأويل . وأما رواية مالك أن الذي أهدي إليه حمار وحش ، فلا يحتاج إلى تأويل لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ، ولا يذكيه ، وإنما يحتاج إلى التأويل قول من قال : إن الذي أهدي هو بعض الحمار ، قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث كلها المرفوعة غير مختلفة . [ ص: 58 ] قال أبو عمر : الأحاديث المرفوعة في هذا الباب منها ، حديث عمير بن سلمة في قصة البهزي وحماره العقير رواه مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة ، عن عمير ، ومنها حديث أبي قتادة روي من وجوه ، وممن روى قصة أبي قتادة جابر وأبو سعيد ، وسنذكر حديث أبي قتادة في باب النضر بن سالم من كتابنا هذا إن شاء الله . ومنها حديث الصعب بن جثامة المذكور في هذا الباب من حديث ابن عباس على تواتر طرقه واختلاف ألفاظه ، ومنها حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدي إليه رجل حمار وحش فأبى أن يأكله . وحديث المطلب عن جابر يفسره قوله - صلى الله عليه وسلم - : صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم . وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ، ولا اصطياده ، ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ، لعموم قول الله عز وجل : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ولحديث الصعب بن جثامة في [ ص: 59 ] قصة الحمار . ولأهل العلم قولان في المحرم يشتري الصيد ، أحدهما أن الشراء فاسد ، والثاني : صحيح وعليه أن يرسله . واختلف العلماء فيمن أحرم وفي يده صيد ، أو في بيته عند أهله ، فقال مالك : إن كان في يده فعليه إرساله ، وإن كان في أهله فليس عليه أن يرسله ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، ومحمد ، وأحمد بن حنبل ، وقال ابن أبي ليلى ، والثوري ، والحسن بن صالح : سواء كان في بيته أو في يده عليه أن يرسله ، فإن لم يرسله ضمن ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال أبو ثور ، والشافعي في أحد قوليه : سواء كان في يده أو في أهله ليس عليه أن يرسله . وعن مجاهد وعبد الله بن الحارث مثل ذلك . واختلفوا أيضا فيما صيد للمحرمين أو من أجلهم ، فقال مالك : لا بأس أن يأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ولا من أجله ، فإن صيد له أو من أجله لم يأكله ، فإن أكل محرم من صيد صيد من أجله فداه . وهو قول الأوزاعي ، والحسن بن حي ، قال مالك : فأما ما ذبحه المحرم فهو ميتة ، لا يحل لمحرم ولا لحلال . وقد اختلف قوله فيما صيد لمحرم بعينه كالأمير وشبهه هل لغير ذلك الذي صيد من أجله أن يأكله هو وسائر من معه من المحرمين ، والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين ، ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم : كلوا فلستم مثلي ، لأنه صيد من [ ص: 60 ] أجلي . وقال أبو حنيفة : إذا ذبحه الحلال فلا بأس بأكله للمحرم وغيره ، وإن ذبحه محرم لم يجز لأحد أكله . وروي عن الثوري كراهية أكله إذا ذبح من أجل المحرمين ، وروي عنه إباحته ، وروي عنه أيضا إباحة ما ذبحه المحرم للحلال ، وللشافعي فيه قولان ، أحدهما : أنه لا يجوز للمحرم أكل ما صيد من أجله وعليه الجزاء إن أكله ، مثل قول مالك . وقول آخر : لا جزاء عليه ، وما ذبحه المحرم لم يجز أكله لأحد إلا لمن تحل له الميتة ، وروي عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل لحم صيد على حال من الأحوال ، سواء صيد من أجله أو لم يصد لعموم قول الله عز وجل : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقال ابن عباس : هي مبهمة ، وبهذا القول قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء . وروى ذلك عن الثوري ، وبه قال إسحاق بن راهويه . وكان عمر بن الخطاب ، وأبو هريرة ، والزبير بن العوام ، ومجاهد ، وعطاء ، وسعيد بن جبير ، يرون للمحرم أكل الصيد على [ ص: 61 ] كل حال إذا اصطاده الحلال ، سواء صيد من أجله أو لم يصد ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لظاهر قول الله عز وجل : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم . فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاد غيرهم . وذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، إلى أن ما صيد من أجل المحرم لم يجز أكله ، وما لم يصد من أجله جاز له أكله . وروي هذا القول عن عثمان بن عفان ، وبه قال عطاء في رواية وإسحاق في رواية . وقد روي عن عطاء ، وعن ابن عباس أيضا ، أنهما قالا : ما ذبح وأنت محرم لم يحل لك أكله ، وهو عليك حرام ، وما ذبح من الصيد قبل أن تحرم ، فلا شيء في أكله . قال أبو عمر : من أجاز أكل لحم صيد للمحرم إذا اصطاده الحلال ، فحجتهم حديث البهزي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حمار الوحش العقير أنه أمر به أبا بكر فقسمه بين الرفاق ، من حديث مالك وغيره . وسيأتي ذكره في باب يحيى بن سعيد إن شاء الله . وحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إنما هي طعمة أطعمكموها الله من حديث مالك وغيره . وحجة من لم يجزه ، حديث الصعب بن جثامة [ ص: 62 ] المذكور في هذا الباب من حديث ابن عباس . وحجة مالك ، والشافعي حديث المطلب عن جابر : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا يعقوب ، عن عمرو ، المطلب ، عن جابر ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه ، أو يصطد لكم . وقد روى عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي ، وهو إمام في الحديث ثقة جليل ، عن مالك بهذا الإسناد أحاديث في نسق واحد . حدثنا عبد الرحمن بن يحيى ، حدثنا الحسن بن الخضر ، حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا محمد بن العلاء ، أخبرنا ابن إدريس ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا حمى إلا لله ولرسوله وسئل عن القوم يبيتون فيصيبون الولدان ، قال : هم منهم ، وأهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبواء حمار فرده . [ ص: 63 ] أما قصة الحمار بالأبواء ففي الموطأ . وأما حديث التبييت وقوله : لا حمى ، فصحيح عن ابن شهاب ، غريب عن مالك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث