الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل لا يفتي إلا مجتهد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل : لا يفتي إلا مجتهد ) . عند أكثر الأصحاب ، ومعناه عن أحمد ، فإنه قال : وينبغي أن يكون عالما بقول من تقدم ، وقال أيضا : ينبغي للمفتي أن يكون عالما بوجوه القرآن ، والأسانيد الصحيحة والسنن . وقال أيضا : لا يجوز الاختيار إلا لعالم بكتاب وسنة . قال بعض أصحابنا : الاختيار ترجيح قول ، وقد يفتي بالتقليد . ا هـ .

وقال صاحب التلخيص والترغيب : يجوز للمجتهد في مذهب إمامه ، لأجل الضرورة ، وقال أكثر العلماء : يجوز لغير المجتهد أن يفتي ، إن كان مطلعا على المأخذ ، أهلا للنظر . قال البرماوي : يجوز أن يفتي بمذهب المجتهد من عرف مذهبه ، وقام بتفريع الفقه على أصوله ، وقدر على الترجيح في مذهب ذلك المجتهد ، فإنه حينئذ يصير كإفتاء المجتهد بنفسه . فالمجتهد المقدم في مذهب إمامه ، وهو من يستقل بتقرير مذهبه ، ويعرف مأخذه من أدلته التفصيلية ، بحيث لو انفرد لقرره كذلك ، فهذا يفتي بذلك لعلمه بالمأخذ ، وهؤلاء أصحاب الوجوه . ودونهم في الرتبة : أن يكون فقيه النفس ، حافظا للمذهب ، قادرا على التفريع والترجيح ، فهل له الإفتاء بذلك ؟ أقوال : أصحها يجوز . ا هـ . وقال القفال المروزي من الشافعية : من حفظ مذهب إمام أفتى به ، وقال أبو محمد الجويني : يفتي المتبحر فيه ، وذكر الماوردي في عامي عرف حكم حادثة بدليلها : يفتي ، أو إن كان من كتاب أو سنة ، أو المنع مطلقا ، وهو أصح ، وفيه أوجه . ا هـ .

وقال ابن حمدان في آداب المفتي : فمن أفتى وليس على صفة من الصفات المذكورة من غير ضرورة : فهو عاص آثم ، وظاهر كلام أحمد تقليد أهل الحديث . قال : سأل عبد الله الإمام أحمد فيمن أهل مصره أصحاب رأي ، وأصحاب حديث لا يعرفون الصحيح : لمن يسأل ؟ قال : أصحاب الحديث . [ ص: 624 ] قال القاضي : وظاهره تقليدهم . وقال في الواضح : ظاهر رواية عبد الله : أن صاحب الحديث أحق بالفتيا ، وحملها على أنهم فقهاء ، أو أن السؤال يرجع إلى الرواية . ثم ذكر القاضي قول أحمد " لا يكون فقيها حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث " وحمله هو وغيره على المبالغة والاحتياط ، ولهذا قال أحمد " الأصول التي يدور عليها العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تكون ألفا ، أو ألفا ومائتين " وذكر القاضي : أن ابن شاقلا اعترض عليه به ، فقال : إن كنت لا أحفظ فإني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه .

قال القاضي : لا يقتضي هذا : أنه كان يقلد أحمد ، لمنعه الفتيا بلا علم . قال بعض أصحابنا : ظاهره تقليده ، إلا أن يحمل على أخذ طرق العلم منه . ثم ذكر عن ابن بطة : لا يجوز أن يفتي بما يسمع من مفت ، وروي عن ابن بشار : ما أعيب على رجل حفظ لأحمد خمس مسائل استند إلى سارية المسجد يفتي بها . قال القاضي : هذا مبالغة في فضله . قال بعض أصحابنا : هذا صريح في الإفتاء بتقليد أحمد ، وقال ابن هبيرة : من لم يجوز إلا تولية قاض مجتهد : إنما عنى قبل استقرار هذه المذاهب وانحصار الحق فيها ، وقال الآمدي : بجواز بعض الإفتاء بالتقليد . وهو ظاهر كلام ابن بشار المتقدم ، واختاره أبو الفرج في الإيضاح ، وصاحب الرعاية ، والحاوي من أصحابنا . كالحنفية ; لأنه ناقل كالراوي .

رد ، ليس إذا مفتيا ، بل مخبر . ذكره جماعة ، منهم : أبو الخطاب وابن عقيل والموفق ، وزاد : فيحتاج مخبر عن معين مجتهد ، فيعمل بخبره لا بفتياه ( ولا يجوز خلو عنه ) أي : عن مجتهد . قال ابن مفلح : لا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف . قال بعض أصحابنا : ذكره أكثر من تكلم في الأصول في مسائل الإجماع . ولم يذكر ابن عقيل خلافه ، إلا عن بعض المحدثين ، واختاره القاضي عبد الوهاب المالكي وجمع منهم ، ومن غيرهم : قال الكرماني في شرح البخاري في قوله صلى الله عليه وسلم { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين } - إلى آخره قال ابن بطال ; لأن أمته آخر الأمم . وعليها تقوم الساعة ، وإن ظهرت أشراطها ، وضعف الدين ، فلا بد أن يبقى من أمته من يقوم به . قال : فإن قيل : قال النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 625 ] { لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد : الله الله } وقال أيضا { لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس } قلنا : هذه الأحاديث لفظها على العموم ، والمراد منها الخصوص . فمعناه : لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى إلا بموضع كذا ، إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق التي توحد الله تعالى هي شرار الخلق .

وقد جاء ذلك مبينا في حديث أبي أمامة الباهلي : أنه صلى الله عليه وسلم قال { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله . قيل : وأين هم يا رسول الله ؟ قال : ببيت المقدس ، أو أكناف بيت المقدس } ا هـ . وقال البرماوي : واختار ابن دقيق العيد في شرح العنوان مذهب الحنابلة ، وكذا في أول شرح الإلمام ، بل أشار إلى ذلك إمام الحرمين في البرهان ، وكذا ابن برهان في الأوسط ، لكن كلامهم محتمل الحمل على عمارة الوجود بالعلماء ، لا على خصوص المجتهدين . ا هـ . واختار صاحب جمع الجوامع : جواز ذلك ، إلا أنه لم يقع ، وقيل : إن المجتهد المطلق عدم من زمن طويل ، قال ابن حمدان في آداب المفتي : ومن زمن طويل عدم المجتهد المطلق ، مع أنه الآن أيسر منه في الزمن الأول ; لأن الحديث ، والفقه قد دونا ، وكذا ما يتعلق بالاجتهاد من الآيات والآثار وأصول الفقه والعربية وغير ذلك ، لكن الهمم قاصرة ، والرغبات فاترة ، ونار الجد والحذر خامدة ، وعين الخوف والخشية جامدة ، اكتفاء بالتقليد ، واستغناء عن التعب الوكيد ، وهربا من الأثقال ، وأربا في تمشية الحال ، وبلوغ الآمال ، ولو بأقل الأعمال . وقال النووي في شرح المهذب : فقد الآن المجتهد المطلق ، ومن دهر طويل ، نقله السيوطي في شرح منظومته لجمع الجوامع . وقال الرافعي : لأن الناس اليوم كالمجمعين أن لا مجتهد اليوم . نقله الأردبيلي في الأنوار . قال ابن مفلح : لما نقل كلامهما : وفيه نظر . قال في شرح التحرير : وهو كما قال ، فإنه وجد من المجتهدين بعد ذلك جماعة . منهم [ ص: 626 ] الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله . قال ابن العراقي والشيخ تقي الدين السبكي والبلقيني .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث