الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
مسألة :

" وارتاد موضعا رخوا " .

لما روى أبو موسى قال : " مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دمث في جنب حائط ( فبال ثم قال : كان بنو إسرائيل إذا بال أحدهم فأصابه شيء من بوله يتبعه فيقرضه بالمقاريض وقال : إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ) . ( ولا يقضي حاجته في المستحم ثم يتوضأ أو يغتسل فيه ) ؛ لأنه يورث الوسواس ، وربما أصابه شيء منها ؛ ولذلك يكره الاستنجاء في كل موضع [ ص: 145 ] نجس إلا المكان المعد للاستنجاء خاصة ، ويكره البول في الماء الدائم وإن كثر وبلغ حدا لا يمكن نزحه لعموم النهي عن ذلك .

ولأن فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيغيره ، وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ . وعن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اتقوا الملاعن الثلاث أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه أو في طريق أو في نقع ماء " . رواه أحمد .

وأما الجاري فيكره فيه التغوط لبقاء أثره ، فأما البول فلا يكره إلا أن تكون الجرية قليلة وتحتها مستعمل يصيبه بيقين لمفهوم النهي عن البول في الماء الدائم ، ولا يكره البول في الآنية [ ص: 146 ] للحاجة ؛ لما روي عن عائشة قالت يقولون : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى " إلى علي لقد دعا بالطست ليبول فيها فانخنثت نفسه وما أشعر فإلى من أوصى رواه النسائي . وعن أميمة بنت رقيقة قالت : " كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل " . رواه النسائي وأبو داود .

ولا يكره البول قائما لعذر ، ويكره مع عدم العذر إذا خاف أن ترى عورته أو يصيبه البول ، فإن أمن ذلك لم يكره في المنصوص من الوجهين ؛ لما روى حذيفة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما " . رواه الجماعة . وفي الآخر يكره لما روي عن عائشة قالت : " من حدثكم أن [ ص: 147 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا جالسا " رواه أحمد وابن ماجه والنسائي والترمذي ، وقال : هو أحسن حديث في هذا الباب وأصح . وهذا يدل على أن الغالب عليه كان الجلوس ، وأن بوله قائما كان لعذر إما لأنه لم يتمكن من الجلوس في السباطة أو لوجع كان به . لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " بال قائما من جرح كان بمأبضه " أي تحت ركبته ، قال الشافعي : ( كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما ، فترى لعله كان به إذ ذاك وجع الصلب ) ولكن قد رويت الرخصة عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر وسهل بن سعد وأنس ؛ ولأن الأصل الإباحة فمن ادعى الكراهة فعليه الدليل .

التالي السابق


الخدمات العلمية