الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الموفية عشرين قوله تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا

الآية الموفية عشرين قوله تعالى : { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا }

هذا تنبيه من الله تعالى لعباده على فضله ، وتعديد لنعمه التي منها جعل البيت الحرام للعرب عموما ولقريش خصوصا مثابة للناس أي معادا في كل عام لا يخلو منهم ، يقال : ثاب إلى كذا أي : رجع وعاد إليه ، فإن قيل : ليس كل من جاءه عاد إليه .

قلنا : لا يختص ذلك بمن ورد عليه ، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة ، ولم يعدم قاصدا من الناس ; وكذلك جعله تبارك وتعالى أمنا يلقى الرجل فيه قاتل وليه فلا يروعه .

وهذا كقوله تعالى : { ومن دخله كان آمنا }

وكذلك : { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم }

وهذا لما كان الله تعالى قد ركب في قلوبهم من تعظيم البقعة وتفضيل الموضع على غيره من الأرض المشابهة له في الصفة ، بهذه الخصيصى المعظمة .

وقد سمعت أن الكلب الخارج من الحرم لا يروع الصيد بها ، وهذا من آيات الله تعالى فيها ; وهذا اللفظ وإن كان ورد بالبيت ، فإن المراد به الحرم كله ; لأن الفائدة فيه كانت وعليه دامت .

وقد اختلف العلماء في تفسير الأمن على أربعة أقوال : الأول : أنه أمن من عذاب الله تعالى في الآخرة ، والمعنى أن من دخله معظما له [ ص: 58 ] وقصده محتسبا فيه لمن تقدم إليه .

ويعضده ما روي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه } .

الثاني : معناه من دخله كان آمنا من التشفي والانتقام ، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه من تركها لحق يكون لها عليه .

الثالث : أنه أمن من حد يقام عليه ، فلا يقتل به الكافر ، ولا يقتص فيه من القاتل ، ولا يقام الحد على المحصن والسارق ; قاله جماعة من فقهاء الأمصار ، ومنهم أبو حنيفة ، وسيأتي عليه الكلام .

الرابع : أنه أمن من القتال ; لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : { إن الله حبس عن مكة الفيل أو القتل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار } .

والصحيح فيه القول الثاني ، وهذا إخبار من الله تعالى عن منته على عباده ، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت ، وتأمين من لجأ إليه ; إجابة لدعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أنزل به أهله وولده ، فتوقع عليهم الاستطالة ، فدعا أن يكون أمنا لهم فاستجيب دعاؤه .

[ ص: 59 ] وأما من قاله : إنه أمن من عذاب الله تعالى ، فإن الله تعالى نبه بجعله مثابة للناس وأمنا على حجته على خلقه ، والأمن في الآخرة لا تقام به حجة .

وأما امتناع الحد فيه فقول ساقط ; لأن الإسلام الذي هو الأصل ، وبه اعتصم الحرم ، لا يمنع من إقامة الحدود والقصاص ; وأمر لا يقتضيه الأصل أحرى ألا يقتضيه الفرع .

وأما الأمن عن القتل والقتال [ فقول لا يصح ; لأنه قد كان فيه القتل والقتال ] بعد ذلك ويكون إلى يوم القيامة ، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن التحليل للقتال ، فلا جرم لم يكن فيها تحليل قبل ذلك اليوم ، ولا يكون لعدم النبوة إلى يوم القيامة ، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن امتناع تحليل القتال شرعا لا عن منع وجوده حسا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث