الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما صفة الغسل : فهو أن يأخذ الماء بيديه جميعا بخلاف المضمضة والاستنشاق ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل ، ولأن ذلك أمكن له ، ولأنه أسبغ لغسل وجهه فيبدو بأعلى وجهه ثم ينحدر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا كان يفعل ، ولأنه أمكن له فيجري الماء بطبعه .

                                                                                                                                            وقد روي عن ابن عمر أنه كان مس الماء على وجهه ولا يسنه ، والسن بغير إعجام صب الماء وبالشين تفريق الماء ثم يمر بيديه بالماء على وجهه حتى يستوعب الماء جميع ما يجب إيصاله إليه . فإن خالف ما وصفنا في الاختيار وأوصل الماء إلى جميع وجهه أجزأه فإما إيصال الماء إلى العينين فليس بواجب ولا سنة ، واختلف أصحابنا هل يستحب له ذلك أم لا ؟ فقال أبو حامد الإسفراييني رحمه الله يستحب له ذلك وحكاه عن الشافعي في كتاب الأم ؛ لأن ابن عمر كان يفضله .

                                                                                                                                            [ ص: 112 ] وذهب سائر أصحابنا إلى أنه غير مستحب لما يلحقه من المشقة فيه ويناله فقد روى أبو أمامة : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ مسح بأصبعيه آماق عينيه .

                                                                                                                                            فلو كان غسل العينين مسنونا أو مستحبا لفعله احتياطا لنفسه أو بيانا لغيره والله أعلم . مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : ثم يغسل ذراعه اليمنى إلى المرفق ثم اليسرى مثل ذلك ، ويدخل المرفقين في الوضوء في الغسل ثلاثا ثلاثا ، وإن كان أقطع اليدين غسل ما بقي منهما إلى المرفقين وإن كان أقطعهما من المرفقين فلا فرض عليه فيهما . وأحب أن لو أمس موضعهما الماء " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : غسل الذراعين واجب بالكتاب والسنة والإجماع ، فإذا غسلهما لزمه غسل المرفقين معهما وهو قول الكافة إلا زفر بن الهذيل ، فإنه قال : غسل المرفقين غير واجب ؛ لأن الله تعالى جعلهما حدا فقال : وأيديكم إلى المرافق [ المائدة : 6 ] والحد لا يدخل في المحدود . كما قال تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل [ البقرة : 187 ] . فجعل الليل حدا فلم يكن داخلا فيما لزم إتمامه من الصيام وكما قال : بعتك الدار وحدها إلى الدكان لم يكن الدكان داخلا في البيع ، والدلالة عليه قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق [ المائدة : 6 ] . فكان الدليل في الآية من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن إلى في هذا الموضع بمعنى مع وليست غاية للمحدود فتصير حدا ، وتقديره مع المرافق .

                                                                                                                                            كما قال تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم [ البقرة : 14 ] أي مع شياطينهم ، وكقوله : من أنصاري إلى الله [ الصف : 14 ] أي مع الله .

                                                                                                                                            والثاني : أن إلى وإن كانت حدا وغاية فقد قال المبرد : إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل في جملته ، وإن كان من غير جنسه لم يدخل ، ألا تراهم يقولون : بعتك الثوب [ ص: 113 ] من الطرف إلى الطرف فيدخل الطرفان في البيع لأنهما من جنسه ، وكذلك لم يدخل إمساك الليل في جملة الصيام لأنه ليس من جنس النهار ، ثم الدليل عليه من طريق السنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غسل ذراعيه أدار يديه على مرفقيه ، فدل على أن إيجاب غسلهما ما لا يعرف فيه خلاف قبل زفر ، فكان زفر محجوبا بإجماع من تقدمه .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية