الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المكاتب

جزء التالي صفحة
السابق

المكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الربيع بن سليمان قال : أخبرنا الشافعي رضي الله تعالى عنه قال : قال الله عز وجل { : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } أخبرنا عبد الله بن الحارث بن عبد الملك بن جريج أنه قال لعطاء : ما الخير ؟ المال ، أو الصلاح ، أو كل ذلك ؟ قال : ما نراه إلا المال ، قلت : فإن لم يكن عنده مال وكان رجل صدق ؟ قال : ما أحسب خيرا إلا . [ ص: 33 ] ذلك المال قال مجاهد { : إن علمتم فيهم خيرا } المال كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت ( قال الشافعي ) : والخير كلمة يعرف ما أريد منها بالمخاطبة بها ، قال الله عز وجل { : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } فعقلنا أنهم خير البرية بالإيمان وعمل الصالحات لا بالمال ، وقال الله عز وجل { : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير } فعقلنا أن الخير المنفعة بالأجر لا أن لهم في البدن مالا .

وقال عز وجل { : إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا } فعقلنا أنه إن ترك مالا ; لأن المال المتروك وبقوله { : الوصية للوالدين والأقربين } قال : فلما قال الله عز وجل { : إن علمتم فيهم خيرا } كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب قوة على اكتساب المال وأمانة ; لأنه قد يكون قويا فيكسب فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة ، وأمينا فلا يكون قويا على الكسب فلا يؤدي ، قال : ولا يجوز عندي ، والله تعالى أعلم ، في قوله { : إن علمتم فيهم خيرا } إلا هذا وليس الظاهر أن القول إن علمت في عبدك مالا بمعنيين أحدهما أن المال لا يكون فيه إنما يكون عنده لا فيه ، ولكن يكون فيه الاكتساب الذي يفيد المال ، والثاني أن المال الذي في يده لسيده فكيف يكون أن يكاتبه بماله إنما يكاتبه بما يفيد العبد بعد بالكتابة ; لأنه حينئذ يمنع ما أفاد العبد لأداء الكتابة ، قال : ولعل من ذهب إلى أن الخير المال أنه أفاد بكسبه مالا للسيد ، فيستدل على أنه كم يقدر مالا يعتق به كما أفاد أولا ، والعبد والأمة البالغان في هذا سواء ، كانا ذوي صنعة أو غير ذوي صنعة ، إذا كان فيهما قوة على الاكتساب والأمانة . ما يجب على الرجل يكاتب عبده قويا أمينا

( أخبرنا الربيع ) : قال : أخبرنا الشافعي رضي الله تعالى عنه قال : أخبرنا عبد الله بن الحارث عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت أن فيه خيرا أن أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلا واجبا وقالها عمرو بن دينار ، وقلت لعطاء : أتأثرها عن أحد ؟ قال : لا ( قال الشافعي ) : أما إذا كان المملوك قويا على الاكتساب غير أمين ، أو أمينا غير قوي فلا شك عندي والله تعالى أعلم في أن لا تجب مكاتبته على سيده وإذا جمع القوة على الاكتساب والأمانة فأحب إلي لسيده أن يكاتبه ولم أكن أمتنع - إن شاء الله - من كتابة مملوك لي جمع القوة والأمانة ولا لأحد أن يمتنع منه ( قال الشافعي ) : ولا يبين لي أن يجبر الحاكم أحدا على كتابة مملوكة ; لأن الآية محتملة أن تكون إرشادا وإباحة لكتابة يتحول بها حكم العبد عما كان عليه لا حتما كما أبيح الصيد المحظور في الإحرام بعد الإحرام والبيع بعد الصلاة لا أنه حتم عليهم أن يصيدوا ويبيعوا ، وقد ذهب هذا المذهب عدد ممن لقيت من أهل العلم ، فإن قيل : فهل فيه دلالة غير ما وصفت ؟ قيل : أرأيت إذا قيل فكاتبوهم هل يجوز أن يقال : أوجب كما وجبت المتعة إلا وهو محدود بأقل ما يقع عليه اسم الكتابة ، أو لغاية معلومة ، فإن قيل : لا فلا يختلف أحد علمته في أن عبدا لرجل ثمنه ألف لو قال له : كاتبني على ثلاثمائة درهم في ثلاث سنين لم يجب عليه أن يكاتبه على هذا ، فإذا قيل : فعلى كم ؟ فإن قال السيد : أكاتبك على ألف فأبى العبد ، أيخرج السيد من أن يكون خالف أن يكاتبه ؟ فإن قيل : نعم ، قيل : فهل يجبر على أن يكاتبه على قيمته ، قيل : فالكتابة إنما تكون دينا والقيمة لا تكون بالدين ولو كانت .

[ ص: 34 ] بدين لم تكن إلا على من له ذمة تلزمه بكل حال والعبد ليست له ذمة تلزمه بكل حال ( قال الشافعي ) : وملك الله عز وجل العباد رقيقهم ولم أعلم مخالفا في أن لا يخرج العبد من يدي سيده إلا بطاعته فهل هذا لم يبن أن أوجب على السيد أن يكاتب عبده ، وكذلك المدبر والمدبرة وأم الولد ; لأن كلا لم يخرج من ملك اليمين قال : والعبد والأمة في هذا سواء ; لأن كلاهما ملكت اليمين ولو آجر رجل عبده ، ثم سأله العبد أن يكاتبه لم يكن ذلك له من قبل حق المستأجر في إجارته ، فإن العبد ممنوع من الكسب بخدمة مستأجره ولو كاتبه وهو أجير كانت الكتابة منفسخة ، ولو فسخ المستأجر الإجارة لم تجز الكتابة حتى يجدد السيد كتابته برضا العبد ، وفي قول الله عز وجل { : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم } دلالة على أنه إنما أذن أن يكاتب من يعقل لا من لا يعقل فأبطلت أن تبتغى الكتابة من صبي ولا معتوه ولا غير بالغ بحال وإنما أبطلنا كتابة غير البالغين والمغلوبين على عقولهم كاتبوا عن أنفسهم ، أو كانت عنهم غيرهم بهذه الآية . وإنما أبطلنا أن يكاتب المحجور عليه الذي لا أمر له في ماله وأن يكاتب عنه وليه ; لأنه لا نظر في الكتابة له وإنه عتق وليس له أن يعتق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث