الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة الواقعة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 87 ] [ ص: 88 ] [ ص: 89 ] بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( إذا وقعت الواقعة ( 1 ) ليس لوقعتها كاذبة ( 2 ) خافضة رافعة ( 3 ) إذا رجت الأرض رجا ( 4 ) وبست الجبال بسا ( 5 ) فكانت هباء منبثا ( 6 ) )

يعني - تعالى ذكره - بقوله : ( إذا وقعت الواقعة ) : إذا نزلت صيحة القيامة ، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة .

كما حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( إذا وقعت الواقعة ) يعني الصيحة .

حدثنا علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : ( إذا وقعت الواقعة ) الواقعة والطامة والصاخة ، ونحو هذا من أسماء القيامة ، عظمه الله ، وحذره عباده .

وقوله : ( ليس لوقعتها كاذبة ) يقول تعالى : ليس لوقعة الواقعة تكذيب ولا مردودية ولا مثنوية ، والكاذبة في هذا الموضع مصدر ، مثل العاقبة والعافية .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ليس لوقعتها كاذبة ) : أي ليس لها مثنوية ، ولا رجعة ، ولا ارتداد .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر عن قتادة في [ ص: 90 ] قوله : ( ليس لوقعتها كاذبة ) قال : مثنوية .

وقوله : ( خافضة رافعة ) يقول - تعالى ذكره - : الواقعة حينئذ خافضة أقواما - كانوا في الدنيا أعزاء - إلى نار الله .

وقوله : ( رافعة ) يقول : رفعت أقواما - كانوا في الدنيا وضعاء - إلى رحمة الله وجنته . وقيل : خفضت فأسمعت الأدنى ، [ ص: 91 ] ورفعت فأسمعت الأقصى .

ذكر من قال في ذلك ما قلنا :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا عبيد الله - يعني - العتكي ، عن عثمان بن عبد الله بن سراقة ( خافضة رافعة ) قال : الساعة خفضت أعداء الله إلى النار ، ورفعت أولياء الله إلى الجنة .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( خافضة رافعة ) يقول : تخللت كل سهل وجبل ، حتى أسمعت القريب والبعيد ، ثم رفعت أقواما في كرامة الله ، وخفضت أقواما في عذاب الله .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( خافضة رافعة ) وقال : أسمعت القريب والبعيد ، خافضة أقواما إلى عذاب الله ، ورافعة أقواما إلى كرامة الله .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا يحيى بن واضح قال : ثنا الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة قوله : ( خافضة رافعة ) قال : خفضت وأسمعت الأدنى ، ورفعت فأسمعت الأقصى . قال : فكان القريب والبعيد من الله سواء .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( خافضة رافعة ) قال : سمعت القريب والبعيد .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( خافضة رافعة ) خفضت فأسمعت الأدنى ورفعت فأسمعت الأقصى ، فكان فيها القريب والبعيد سواء .

وقوله : ( إذا رجت الأرض رجا ) يقول - تعالى ذكره - : إذا زلزلت الأرض فحركت تحريكا من قولهم : السهم يرتج في الغرض بمعنى : يهتز ويضطرب .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( إذا رجت الأرض رجا ) يقول : زلزلها .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قول الله ( إذا رجت الأرض رجا ) قال : زلزلت .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( إذا رجت الأرض رجا ) يقول : زلزلت زلزلة .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( إذا رجت الأرض رجا ) قال : زلزلت زلزالا .

وقوله : ( وبست الجبال بسا ) يقول - تعالى ذكره - : فتتت الجبال فتا ، فصارت كالدقيق المبسوس ، وهو المبلول كما قال - جل ثناؤه - : ( وكانت الجبال كثيبا مهيلا ) والبسيسة عند العرب : الدقيق والسويق تلت وتتخذ زادا .

وذكر عن لص من غطفان أنه أراد أن يخبز ، فخاف أن يعجل عن الخبز ، قبل الدقيق وأكله عجينا وقال :


لا تخبزا خبزا وبسا بسا ملسا بذود الحلسي ملسا

[ ص: 92 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( وبست الجبال بسا ) يقول : فتتت فتا .

حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( وبست الجبال بسا ) قال : فتتت .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : ( وبست الجبال بسا ) قال : كما يبس السويق .

حدثني أحمد بن عمرو البصري قال : ثنا حفص بن عمر العدني ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ( وبست الجبال بسا ) قال : فتت فتا . [ ص: 93 ]

حدثني إسماعيل بن موسى ابن بنت السدي قال : أخبرنا بشر بن الحكم الأحمسي ، عن سعيد بن الصلت ، عن إسماعيل السدي وأبي صالح ( وبست الجبال بسا ) قال : فتتت فتا .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( وبست الجبال بسا ) قال : كما يبس السويق .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله : ( وبست الجبال بسا ) قال : صارت كثيبا مهيلا كما قال الله .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : ( وبست الجبال بسا ) قال : فتتت فتا .

وقوله : ( فكانت هباء منبثا ) اختلف أهل التأويل في معنى الهباء ، فقال بعضهم : هو شعاع الشمس ، الذي يدخل من الكوة كهيئة الغبار .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : ( فكانت هباء منبثا ) يقول : شعاع الشمس .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن سعيد ( هباء منبثا ) قال : شعاع الشمس حين يدخل من الكوة .

قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : ( فكانت هباء منبثا ) قال : شعاع الشمس يدخل من الكوة ، وليس بشيء .

وقال آخرون : هو رهج الدواب .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي - رضي الله عنه - قال : رهج الدواب . [ ص: 94 ]

وقال آخرون : هو ما تطاير من شرر النار الذي لا عين له .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( فكانت هباء منبثا ) قال : الهباء : الذي يطير من النار إذا اضطرمت ، يطير منه الشرر ، فإذا وقع لم يكن شيئا .

وقال آخرون : هو يبيس الشجر الذي تذروه الرياح .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : ( فكانت هباء منبثا ) كيبيس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( هباء منبثا ) يقول : الهباء : ما تذروه الريح من حطام الشجر .

وقد بينا معنى الهباء في غير هذا الموضع بشواهده ، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع .

وأما قوله : ( منبثا ) فإنه يعني متفرقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث