الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شروط الواقف في الوقف

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وسئل رحمه الله عن رجل وقف وقفا على مدرسة . وشرط في كتاب الوقف أنه لا ينزل بالمدرسة المذكورة إلا من لم يكن له وظيفة بجامكية ; ولا مرتب . وأنه لا يصرف ريعها لمن له مرتب في جهة أخرى ; وشرط لكل طالب جامكية معلومة : فهل يصح هذا الشرط والحالة هذه ; وإذا صح فنقص ريع الوقف ; ولم يصل كل طالب إلى الجامكية المقررة له : فهل يجوز [ ص: 13 ] للطالب أن يتناول جامكية في مكان آخر ؟ وإذا نقص ريع الوقف ولم يصل كل طالب إلى تمام حقه . فهل يجوز للناظر أن يبطل الشرط المذكور أم لا ؟ وإذا حكم بصحة الوقف المذكور حاكم : هل يبطل الشرط والحالة هذه ؟ .

التالي السابق


فأجاب : أصل هذه المسائل أن شرط الواقف إن كان قربة وطاعة لله ورسوله كان صحيحا ; وإن لم يكن شرطا لازما . وإن كان مباحا كما لم يسوغ النبي صلى الله عليه وسلم السبق إلا في خف أو حافر أو نصل ; وإن كانت المسابقة بلا عوض قد جوزها بالأقدام وغيرها ; ولأن الله تعالى قال في مال الفيء : { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } فعلم أن الله يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء .

وإن كان الغنى وصفا مباحا فلا يجوز الوقف على الأغنياء ; وعلى قياسه سائر الصفات المباحة ; ولأن العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابا على بذل المال فيه فيكون قد صرف المال فيما لا ينفعه ; لا في حياته ولا في مماته ثم إذا لم يكن للعامل فيه منفعة في الدنيا ; كان تعذيبا له بلا فائدة تصل إليه ; ولا إلى الواقف ; ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها في سورة الأنعام ; والمائدة .

وإذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في الدين ; أو في الدنيا [ ص: 14 ] كان باطلا بالاتفاق في أصول كثيرة ; لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى ; فيكون باطلا ; ولو كان مائة شرط .

مثال ذلك أن يشرط عليه التزام نوع من المطعم ; أو الملبس ; أو المسكن الذي لم تستحبه الشريعة ; أو ترك بعض الأعمال التي تستحب الشريعة عملها ونحو ذلك .

يبقى الكلام في تحقيق هذا المناط في اعتبار المسائل ; فإنه قد يكون متفقا عليه وقد يكون مختلفا فيه ; لاختلاف الاجتهاد في بعض الأعمال ; فينظر في شرط ترك من جهة أخرى ; فما لم يكن فيه مقصود شرعي - خالص أو راجح - كان باطلا ; وإن كان صحيحا ; ثم ( إذا نقص الريع عما شرطه الواقف جاز للمطالب أن يرتزق تمام كفايته من جهة أخرى ; لأن رزق الكفاية لطلبة العلم من الواجبات الشرعية ; بل هو من المصالح الكلية التي لا قيام للخلق بدونها ; فليس لأحد أن يشرط ما ينافيها ; فكيف إذا لم يعلم أنه قصد ذلك ؟ .

ويجوز للناظر مع هذه الحالة أن يوصل إلى المرتزقة بالعلم ما جعل لهم [ و ] أن لا يمنعهم من تناول تمام كفايتهم من جهة أخرى يرتبون فيها ; وليس هذا إبطالا للشرط ; لكنه ترك العمل به عند تعذره ; وشروط الله حكمها كذلك وحكم الحاكم لا يمنع ما ذكر .

[ ص: 15 ] وهذه الأرزاق المأخوذة على الأعمال الدينية إنما هي أرزاق ومعاون على الدين ; بمنزلة ما يرتزقه المقاتلة ; والعلماء من الفيء . والواجبات الشرعية تسقط بالعذر ; وليست كالجعالات على عمل دنيوي ; ولا بمنزلة الإجارة عليها فهذه حقيقة حال هذه الأموال . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث