الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                وسئل رحمه الله عن رجل وقف وقفا على مسجد وأكفان الموتى وشرط فيه الأرشد فالأرشد من ورثته ثم للحاكم وشرط لإمام المسجد ستة دراهم والمؤذن والقيم بالتربة ستة دراهم وشرط لهما دارين لسكناهما ثم إن ريع الوقف زاد خمسة أمثاله بحيث لا يحتاج الأكفان إلى زيادة فجعل لهما الحاكم كل شهر ثلاثين درهما ثم اطلع بعد ذلك على شرط الواقف فتوقف في أن يصرف عليهم ما زاد على كل شرط الواقف . فهل يجوز له ذلك ؟ وهل يجوز لهما تناوله ؟

                وأيضا الدار المذكورة انهدمت فأحكرها ناظر الوقف كل سنة بدرهمين فعمرها المستأجر وأجرها في السنة بخمسين درهما . فهل يصح هذا الإحكار ؟

                التالي السابق


                فأجاب : نعم يجوز أن يعطى الإمام والمؤذن من مثل هذا الوقف الفائض رزق مثلهما هل وإن كان زائدا على ثلاثين بل إذا كانا فقيرين وليس لما زاد مصرف معروف : جاز أن يصرف إليهما منه تمام كفايتهما . وذلك لوجهين :

                [ ص: 18 ] أحدهما : أن تقدير الواقف دراهم مقدرة في وقف مقدار ريع قد يراد به النسبة : مثل أن يشرط له عشرة والمغل مائة ويراد به العشر فإن كان هناك قرينة تدل على إرادة هذا عمل به . ومن المعلوم في العرف أن الوقف إذا كان مغله مائة درهم وشرط له ستة ثم صار خمسمائة فإن العادة في مثل هذا أن يشرط له أضعاف ذلك مثل خمسة أمثاله ولم تجر عادة من شرط ستة من مائة أن يشترط ستة من خمسمائة فيحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم .

                الثاني : أن الواقف لو لم يشترط هذا فزائد الوقف يصرف في المصالح التي هي نظير مصالحه وما يشبهها : مثل صرفه في مساجد أخر وفي فقراء الجيران ونحو ذلك : لأن الأمر دائر بين أن يصرف في مثل ذلك أو يرصد لما يحدث من عمارة ونحوه . ورصده دائما مع زيادة الريع لا فائدة فيه : بل فيه مضرة وهو حبسه لمن يتولى عليهم من الظالمين المباشرين والمتولين الذين يأخذونه بغير حق . وقد روي عن علي بن أبي طالب : أنه حض الناس على مكاتب يجمعون له ففضلت فضلة فأمر بصرفها في المكاتبين والسبب فيه أنه إذا تعذر المعين صار الصرف إلى نوعه .

                ولهذا كان الصحيح في الوقف هو هذا القول وأن يتصدق بما فضل من كسوته كما كان عمر بن الخطاب يتصدق كل عام بكسوة الكعبة يقسمها بين الحجاج .

                [ ص: 19 ] وإذا كان كذلك ; فمن المعلوم أن صرف الفاضل إلى إمامه ومؤذنه مع الاستحقاق أولى من الصرف إلى غيرهما وتقدير الواقف لا يمنع استحقاق الزيادة بسبب آخر كما لا يمنع استحقاق غير مسجده .

                وإذا كان كذلك وقدر الأكفان التي هي المصروفة ببعض الريع صرف ما يفضل إلى الإمام والمؤذن ما ذكر . والله أعلم .




                الخدمات العلمية