الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم

( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )

قوله تعالى : ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )

اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى : ( كتاب ) فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : ( مصدق لما معهم ) يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى : ( مصدق لما معهم ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة ، واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات .

المسألة الثانية : قرئ : " مصدقا " على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة ؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف ( كتاب ) بقوله : ( من عند الله ) ? .

المسألة الثالثة : في جواب " لما " ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ) [ الرعد : 31 ] فإن جوابه محذوف وهو : لكان هذا القرآن - عن الأخفش والزجاج .

وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : ( أيعدكم أنكم ) [ المؤمنون : 35 ] إلى قوله تعالى : ( أنكم مخرجون ) ? ( المؤمنون : 35 ) عن المبرد .

وثالثها : أن تكون الفاء جوابا للما الأولى و ( كفروا به ) جوابا للما الثانية وهو كقوله : ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ) [ البقرة : 38 ] الآية ، عن الفراء .

أما قوله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) ففي سبب النزول وجوه :

أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي .

وثانيها : كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس .

وثالثها : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون عنه ، على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم .

ورابعها : نزلت في بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي .

وخامسها : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرءوا وذكروا محمدا في التوراة وأنه [ ص: 165 ] مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث