الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 26 ] وسئل رحمه الله عن رجل وقف وقفا وشرط فيه شروطا على جماعة قراء وأنهم يحضرون كل يوم بعد صلاة الصبح يقرءون ما تيسر من القرآن إلى طلوع الشمس ثم يتداولون النهار بينهم يوما مثنى مثنى ويجتمعون أيضا بعد صلاة العصر يقرأ كل منهم حزبين ويجتمعون أيضا في كل ليلة جمعة . جملة اجتماعهم في الشهر سبعة وسبعون مرة على هذا النحو عند قبره بالتربة ; وشرط عليهم أيضا أن يبيتوا كل ليلة بالتربة المذكورة وجعل لكل منهم سكنا يليق به وشرط لهم جاريا من ريع الوقف يتناولون في كل يوم وفي كل شهر . فهل يلزمهم الحضور على شرطه عليهم ؟ أم يلزمهم أن يتصفوا بتلك الصفات في أي مكان أمكن إقامتهم بوظيفة القراءة أو لا يتعين المكان ولا الزمان ؟

وهل يلزمهم أيضا أن يبيتوا بالمكان المذكور أم لا ؟ وإن قيل باللزوم فاستخلف أحدهم من يقرأ عنه وظيفته في الوقف والمكان والواقف شرط في كتاب الوقف أن يستنيبوا في أوقات الضرورات فما هي الضرورة التي تبيح النيابة ؟

[ ص: 27 ] وأيضا إن نقصهم الناظر من معلومهم الشاهد به كتاب الوقف : فهل يجوز أن ينقصوا مما شرط عليهم ؟ وسواء كان النقص بسبب ضرورة . أو من اجتهاد الناظر أو من غير اجتهاده وليشف سيدنا بالجواب مستوعبا بالأدلة ويجلي به عن القلوب كل عسر مثابا في ذلك .

التالي السابق


فأجاب : الحمد لله رب العالمين . أصل هذه المسألة - وهو على أهل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى والوصية لأهلها والنذر لهم - أن تلك الأعمال لا بد أن تكون من الطاعات التي يحبها الله ورسوله فإذا كانت منهيا عنها لم يجز الوقف عليها . ولا اشتراطها في الوقف باتفاق المسلمين وكذلك في النذر ونحوه وهذا متفق عليه بين المسلمين في الوقف والنذر ونحو ذلك ليس فيه نزاع بين العلماء أصلا .

ومن أصول ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه } .

ومن أصوله ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة أيضا { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب على المنبر لما أراد أهل بريرة أن [ ص: 28 ] يشترطوا الولاء لغير المعتق . فقال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } .

وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه أو النهي عما أمر به أو تحليل ما حرمه أو تحريم ما حلله فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود : الوقف وغيره .

وقد روى أهل السنن أبو داود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا } .

وحديث عائشة هو من العام الوارد على سبب وهذا وإن كان أكثر العلماء يقولون : إنه يؤخذ فيه بعموم اللفظ ولا يقتصر على سببه فلا نزاع بينهم أن أكثر العمومات الواردة على أسباب لا تختص بأسبابها كالآيات النازلة بسبب معين : مثل آيات المواريث ; والجهاد والظهار ; [ ص: 29 ] واللعان والقذف والمحاربة والقضاء والفيء والربا والصدقات ; وغير ذلك . فعامتها نزلت على أسباب معينة مشهورة في كتب الحديث والتفسير والفقه والمغازي مع اتفاق الأمة على أن حكمها عام في حق غير أولئك المعينين وغير ذلك مما يماثل قضاياهم من كل وجه .

وكذلك الأحاديث وحديث عائشة مما اتفقوا على عمومه وأنه من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم وبعث بها حيث قال : { من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } .

ولكن تنازعوا في العقود المباحات كالبيع والإجارة والنكاح : هل معنى الحديث من اشترط شرطا لم يثبت أنه خالف فيه شرعا أو من اشترط شرطا يعلم أنه مخالف لما شرعه الله ؟ هذا فيه تنازع ; لأن قوله في آخر الحديث : { كتاب الله أحق وشرط الله أوثق } يدل على أن الشرط الباطل ما خالف ذلك وقوله : { من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل } قد يفهم منه ما ليس بمشروع .

وصاحب القول الأول يقول : ما لم ينه عنه من المباحات ; فهو مما أذن فيه فيكون مشروعا بكتاب الله وأما ما كان في العقود التي يقصد بها [ ص: 30 ] الطاعات كالنذر فلا بد أن يكون المنذور طاعة فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء به ; لكن في وجوب الكفارة به نزاع مشهور بين العلماء كالنزاع في الكفارة بنذر المعصية ; لكن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ونذر المباح مخير بين الأمرين وكذلك الوقف أيضا .

وحكم الشروط فيه يعرف بذكر أصلين : أن الواقف إنما وقف الوقوف بعد موته لينتفع بثوابه وأجره عند الله لا ينتفع به في الدنيا فإنه بعد الموت لا ينتفع الميت إلا بالأجر والثواب .

ولهذا فرق بين ما قد يقصد به منفعة الدنيا وبين ما لا يقصد به إلا الأجر والثواب . فالأول : كالبيع والإجارة والنكاح فهذا يجوز للإنسان أن يبذل ماله فيها ليحصل أغراضا مباحة دنيوية ومستحبة ودينية بخلاف الأغراض المحرمة . وأما الوقف فليس له أن يبذل ملكه إلا فيما ينفعه في دينه ; فإنه إذا بذله فيما لا ينفعه في الدين والوقف لا ينتفع به بعد موته في الدنيا صار بذل المال لغير فائدة تعود إليه ; لا في دينه ولا في دنياه وهذا لا يجوز .

ولهذا فرق العلماء بين الوقف على معين وعلى جهة . فلو وقف أو وصى لمعين جاز وإن كان كافرا ذميا لأن صلته مشروعة . كما دل على ذلك الكتاب والسنة في مثل قوله تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } ومثل حديث [ ص: 31 ] { أسماء بنت أبي بكر لما قدمت أمها وكانت مشركة فقالت : يا رسول الله : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : صلي أمك } والحديث في الصحيحين . وفي ذلك نزل قوله تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } وقوله تعالى { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } .

فبين أن عطية مثل هؤلاء إنما يعطونها لوجه الله وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { في كل ذات كبد رطبة أجر } فإذا أوصى أو وقف على معين وكان كافرا أو فاسقا لم يكن الكفر والفسق هو سبب الاستحقاق ولا شرطا فيه بل هو يستحق ما أعطاه وإن كان مسلما عدلا فكانت المعصية عديمة التأثير بخلاف ما لو جعلها شرطا في ذلك على جهة الكفار والفساق أو على الطائفة الفلانية بشرط أن يكونوا كفارا أو فساقا فهذا الذي لا ريب في بطلانه عند العلماء .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث