الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 31 ] الترغيب في النكاح وغيره من الجامع

ومن كتاب النكاح جديد وقديم ، ومن الإملاء على مسائل مالك

قال الشافعي - رحمه الله - : " وأحب للرجل والمرأة أن يتزوجا إذا تاقت أنفسهما إليه : لأن الله تعالى أمر به ورضيه ، وندب إليه ، وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط . وأنه قال : من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي النكاح ، ويقال : إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده " .

قال الماوردي : وهذا كما قال النكاح مباح وليس بواجب .

وقال داود : النكاح واجب استدلالا بقوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء [ النساء : 3 ] وهذا أمر ، وبقوله عليه السلام : تناكحوا تكثروا قال : ولأنه إجماع بقول صحابيين لم يظهر خلافهما :

أحدهما : قول عمر لأبي الزوائد : لا يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور .

والثاني : قول معاذ في مرضه : زوجوني لا ألقى الله عزبا . لأن في النكاح من تحصين النفس مثل ما في الغذاء ، فلما لزم تحصينها بالغذاء ، لزم تحصينها بالنكاح ، ولأنه لما لزمه إعفاف أبيه كان إعفاف نفسه أولى .

ودليلنا قوله تعالى : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم [ النساء : 3 ] ومنه دليلان :

أحدهما : أنه علق بطيب النفس ، ولو كان لازما واجبا للزم بكل حال .

والثاني : قوله : فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم فخيره بين النكاح وملك اليمين ، والتخيير بين أمرين يقتضي تساوي حكمهما ، فلما كان ملك اليمين ليس بواجب ، كان النكاح بمثابته ، وقال تعالى : ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم فأباح نكاح الأمة لمن خشي الزنا ، وجعل الصبر خيرا له ، ولو كان واجبا لكان الصبر شرا له .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : خياركم بعد المائتين كل خفيف حاذ ، قيل : ومن الخفيف الحاذ ، قال : الذي لا أهل له ولا ولد .

[ ص: 32 ] وروي عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : الصبر عن النساء خير من الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من الصبر على النار .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : مسكين مسكين رجل لا امرأة له ، ومسكينة مسكينة امرأة لا رجل لها . فأخرج ذلك مخرج الرحمة ، وتارك الواجب لا يرحم ، ولأنه لما لم يجب مقصود النكاح وهو الوطء ، كان النكاح بأن لا يجب أولى ، ولأنه ليس في النكاح أكثر من نيل شهوة وإدراك لذة ، وليس ذلك بواجب كسائر الشهوات ، ولأنه لو وجب عليه قطع شهوته بالنكاح لوجب قطعها عند العجز عنه بما قام مقامه من دواء وعلاج ، ولأن ما دعت إليه الشهوات خارج من جملة الواجبات : لأن من صفات الواجبات تكلف المشاق فيها وتحمل الأثقال لها ، فأما الآية فقد جعلناها دليلا .

وأما الخبر فهو أمر بالنكاح للمكاثرة بالأولاد : لأنه قال تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط وليست المكاثرة واجبة ، وكذلك ما جعل طريقا إليها .

أما قوله : أن فيه تحصين النفس ، فإنما يجب من تحصين النفس ما خيف منه التلف ، وليس في ترك النكاح خوف التلف .

وأما قوله لما لزمه إعفاف أبيه لزمه إعفاف نفسه ، فقد كان أبو علي بن خيران يقول : إن إعفاف أمته لا يجب عليه كما لا يجب عليه إعفاف ابنه . وظاهر المذهب وجوبه ، ولا يجب عليه في نفسه كما يلزمه في حق أبيه القيام بكفايته من القوت والكسوة ، ولا يلزمه ذلك في حق نفسه ، فكذلك النكاح .

فأما قول عمر لأبي الزوائد : ما منعك من النكاح إلا عجز أو فجور ، فهو على طريق الترغيب دون الوجوب ، ولو كان واجبا لزمه .

وأما قول معاذ : زوجوني لا ألقى الله عزبا ، فقد قيل : إنه كان ذا أولاد ، ويجوز أن يكون اختار ذلك ندبا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث