الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله عز وجل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 425 ] 51 - باب

من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد، فأراد به الله عز وجل

وقال الزهري: أخبرني أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم عرضت علي النار وأنا أصلي .

421 431 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " أريت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع " .

التالي السابق


حديث ابن عباس هذا قد خرجه بطوله في " أبواب صلاة الكسوف " وخرج فيها - أيضا - معناه من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما -.

وأما حديث أنس الذي علقه فهو قطعة من حديث طويل، فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر عند الزوال، ثم صعد المنبر فذكر الساعة، ثم قال: " من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل " وفي آخره: قال: " عرضت علي الجنة والنار - آنفا - في عرض هذا الحائط، فلم أر كالخير والشر ".

وقد خرجه البخاري بتمامه في " باب: وقت الصلاة عند الزوال " كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - وخرج بعضه في " كتاب العلم " فيما سبق.

[ ص: 426 ] وخرجه - أيضا - بمعناه من حديث قتادة ، عن أنس في " كتاب الفتن ".

وليس في حديث الزهري وقتادة عن أنس أن عرض الجنة والنار عليه كان في الصلاة.

وخرج - أيضا - في " باب رفع البصر إلى الأمام في الصلاة " من حديث فليح : ثنا هلال بن علي ، عن أنس قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رقي المنبر، فأشار بيده قبل قبلة المسجد، ثم قال: " لقد رأيت الآن منذ صليت لكم الصلاة الجنة والنار ممثلتين في قبلة هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير والشر " ثلاثا.

وخرج مسلم من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن جابر ، قال: انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر صلاته وخطبته بعد الصلاة، وأنه قال فيها: " ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار، وذلك حين رأيتموني تأخرت ; مخافة أن يصيبني من لفحها " - وذكر الحديث.

ومقصود البخاري بهذا الباب: أن من صلى لله عز وجل، وكان بين يديه شيء من جنس ما عبد من دون الله كنار وتنور وغير ذلك، فإن صلاته صحيحة، وظاهر كلامه أنه لا يكره ذلك - أيضا.

واستدل بعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وفي هذا الاستدلال نظر.

قال الإسماعيلي : ليس ما أراه الله من النار حتى أطلعها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم، ولا حكم ما أري ليخبرهم بما رآه كحكم [ ص: 427 ] من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائما موضوعا فجعله أمام مصلاه وقبلته. انتهى.

فأشار إلى الفرق من وجوه:

منها: أن من كره الصلاة إلى نار أو تنور، فإنما كره أن يتعمد المصلي ذلك، وعرض النار على النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كذلك.

ومنها: أن المكروه استقبال نار الدنيا ; لأنها هي التي عبدت من دون الله عز وجل، فأما نار جهنم فهي دار عقاب الكفار، فليست كنار الدنيا.

ومنها: أن ما أري النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الغيب لا يتعلق به أحكام أمور الدنيا.

ومن هنا قيل: إن جبريل لما شق قلب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله في طست من ذهب لم يجر على ذلك حكم استعمال أواني الذهب في الدنيا.

وقد كره أكثر العلماء الصلاة إلى النار منهم: ابن سيرين ، كره الصلاة إلى تنور، وقال: هو بيت نار.

وقال سفيان : يكره أن يوضع السراج في قبلة المسجد.

وقال إسحاق : السراج لا بأس به، والكانون أكرهه -: نقله عنه حرب .

وقال مهنا : سألت أحمد عن السراج والقنديل يكون في قبلة المسجد؟ قال: أكرهه، وأكره كل شيء ; حتى كانوا يكرهون أن يجعلوا في القبلة شيئا حتى المصحف. وكان ابن عمر يكره أن يكون بينه وبين القبلة شيء.

ونقل الفرج بن الصباح البرزاطي عن أحمد ، قال: إذا كان التنور في قبلة لا يصلى إليه ; كان ابن سيرين يكره أن يصلي إلى التنور.

ووجه الكراهة: أن فيه تشبها بعباد النار في الصورة الظاهرة، فكره ذلك، وإن كان المصلي يصلي لله، كما كرهت الصلاة في وقت طلوع الشمس وغروبها [ ص: 428 ] لمشابهة سجود المصلي فيه سجود عباد الشمس لها في الصورة، وكما تكره الصلاة إلى صنم وإلى صورة مصورة.

قال أحمد في رواية الميموني : لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك .

وقد سبق ذكر كراهة الصلاة إلى الصور.

وأما استثناء إسحاق من ذلك السراج، فقد أشار حرب إلى الاستدلال له بما خرجه من طريق أسباط ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حصير - وبين يديه مصباح - قال: فجاءت الفأرة، فأخذت الفتيلة: فألقتها على الحصير، وأحرقت منه قدر الدرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الفويسقة لتضرم على أهل البيت ".

وقد خرجه أبو داود ، وليس عنده ذكر الصلاة على الحصير، ولا أن بين يديه مصباحا.

ولو وضع بين يدي المصلي في صلاته نار لم تبطل صلاته، ويزيلها عنه بحسب القدرة.

وفي " صحيح مسلم " عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم، فسمعناه يقول: " أعوذ بالله منك ". ثم قال: " ألعنك بلعنة الله " - ثلاثا - وبسط يديه كأنه تناول شيئا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك. قال: " إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ; ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر - ثلاث مرات - ثم أردت آخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان عليه السلام لأصبح موثقا يلعب [ ص: 429 ] به ولدان أهل المدينة ".

وخرج الإمام أحمد من حديث سماك بن حرب ، سمع جابر بن سمرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فجعل يهوي بيده فسأله القوم حين انصرف، فقال: " إن الشيطان كان يلقي علي شرر النار ; ليفتنني عن الصلاة، فتناولته، فلو أخذته ما انفلت مني حتى يناط إلى سارية من سواري المسجد ينظر إليه ولدان أهل المدينة ".

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث