الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 332 ] وفادة لقيط بن عامر المنتفق أبي رزين العقيلي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال عبد الله بن الإمام أحمد : كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري : كتبت إليك بهذا الحديث ، وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك ، فحدث بذلك عني . قال : حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي ، قال : حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف ، عن دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ، عن أبيه ، عن عمه لقيط بن عامر ، قال دلهم : وحدثنيه أبي الأسود ، عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه صاحب له يقال له : نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق . قال لقيط : فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 333 ] انسلاخ رجب ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة ، فقام في الناس خطيبا ، فقال : " أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ، ألا لأسمعنكم ، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا : اعلم لنا ما يقول رسول الله ؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه ، أو حديث صاحبه ، أو يلهيه الضلال ، ألا إني مسئول ، هل بلغت ، ألا اسمعوا تعيشوا ، ألا اجلسوا ، ألا اجلسوا " . قال : فجلس الناس ، وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت : يا رسول الله ، ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك ، لعمر الله وهز رأسه ، وعلم أني أبتغي لسقطه ، فقال : " ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب ، لا يعلمها إلا الله " . وأشار بيده قلت : وما هي ؟ قال : " علم المنية ، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه ، وعلم المني حين يكون في الرحم ، قد علمه ولا تعلمون ، وعلم ما في غد ، وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه ، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين ، فيظل يضحك ، قد علم أن غيركم إلى قريب " . قال لقيط : قلت : لن نعدم من رب يضحك خيرا . " وعلم يوم الساعة " . قلت : يا رسول الله ، علمنا مما تعلم الناس ، وما تعلم ، فأنا من قبيل [ ص: 334 ] لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربوا علينا ، وخثعم التي توالينا ، وعشيرتنا التي نحن منها . قال : " تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ، ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة ، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات ، والملائكة الذين مع ربك ، عز وجل ، فأصبح ربك ، عز وجل ، يطوف في الأرض وقد خلت عليه البلاد ، فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش ، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه فيستوي جالسا ، فيقول ربك عز وجل مهيم ؟ - لما كان فيه - فيقول : يا رب أمس اليوم . فلعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله " . قلت : يا رسول الله ، كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع ؟ فقال : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الأرض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت : لا تحيا أبدا . ثم أرسل ربك عليها السماء ، [ ص: 335 ] فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة ، فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض ، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم ، فتنظرون إليه وينظر إليكم " . قال : قلت : يا رسول الله ، وكيف ونحن ملء الأرض وهو عز وجل شخص واحد ، ينظر إلينا وننظر إليه ؟! فقال : " أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة ، لا تضارون في رؤيتهما ، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما " . قلت : يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ قال : " تعرضون عليه بادية له [ ص: 336 ] صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية ، فيأخذ ربك ، عز وجل ، بيده غرفة من الماء فينضح قبيلكم بها ، فلعمر إلهك ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء ، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود ، ألا ثم ينصرف نبيكم ، وينصرف على أثره الصالحون ، فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر فيقول : حس . فيقول ربك عز وجل : أو أنه ، فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ والله ناهلة عليها ، ما رأيتها ، قط فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى ، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا " . [ ص: 337 ] قال : قلت : يا رسول الله فبم نبصر ؟ قال : " بمثل بصرك ساعتك هذه ، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض وواجهته الجبال " . قال : قلت : يا رسول الله ، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ قال : " الحسنة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها إلا أن يعفو " . قال : قلت : يا رسول الله ، إما الجنة وإما النار ؟ قال : " لعمر إلهك ، إن للنار لسبعة أبواب ، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما ، وإن للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما " . قلت : يا رسول الله ، فعلام نطلع من الجنة ؟ قال : " على أنهار من عسل مصفى ، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وماء غير آسن ، وفاكهة ، لعمر إلهك ما تعلمون ، وخير من مثله معه ، وأزواج مطهرة " . قلت : يا رسول الله ولنا فيها أزواج ؟ أو منهن مصلحات ؟ قال : " الصالحات للصالحين ، تلذون بهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم ، غير أن لا توالد " . قال لقيط : فقلت : أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه ؟ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : يا رسول الله ، علام أبايعك ؟ قال : فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده ، وقال : " على إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وزيال المشرك ، وأن لا تشرك بالله إلها غيره " . قال : قلت : وإن لنا ما بين المشرق والمغرب ؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه . قال : قلت : نحل منها حيث شئنا ولا يجني امرؤ إلا على نفسه . فبسط يده وقال : " ذلك لك ، تحل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك " . قال : فانصرفنا عنه ثم قال : " إن هذين من أتقى الناس - لعمر إلهك - في الأولى والآخرة " . فقال له كعب بن الخدارية أحد بني بكر بن كلاب : من هم يا رسول الله ؟ قال : بنو المنتفق أهل ذلك . قال : فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت : يا رسول الله ، هل لأحد ممن مضى خير في جاهليتهم ؟ قال : فقال رجل من عرض قريش : والله إن أباك المنتفق لفي النار . قال : فلكأنه وقع حر بين جلدي ووجهي ولحمي ; مما قال لأبي على رءوس الناس ، فهممت أن أقول : وأبوك يا [ ص: 339 ] رسول الله ؟ ثم إذا الأخرى أجمل ، فقلت : يا رسول الله ؟ وأهلك ؟ قال : " وأهلي لعمر الله ، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك ، فقل : أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك ; تجر على وجهك وبطنك في النار " . قال : قلت : يا رسول الله ، ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه ، وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون ؟ قال : " ذلك بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم - يعني نبيا - فمن عصى نبيه كان من الضالين ، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين " . هذا حديث غريب جدا وألفاظه في بعضها نكارة وقد أخرجه البيهقي في كتاب " البعث والنشور " ، وعبد الحق الإشبيلي في " العاقبة " ، والقرطبي في كتاب " التذكرة في أحوال الآخرة " وسيأتي في كتاب " البعث والنشور " إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية