الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 194 ] كتاب الشفعة بإسكان الفاء ، وحكي ضمها . وهي لغة من الشفع ضد الوتر ، فكأن الشفيع يجعل نفسه شفعا بضمه نصيب شريكه إليه ، أو من الشفاعة لأن الأخذ في الجاهلية كان بها : أي بالشفاعة ، أو من الزيادة والتقوية ويرجعان لما قبلهما ، وشرعا : حق تملك قهري ثبت للشريك القديم على الحادث فيما ملك بعوض بما ملك به لدفع الضرر : أي ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وغيرها كمنور ومصعد وبالوعة في الحصة الصائرة إليه ، وقيل ضرر سوء المشاركة ، ولكونها تؤخذ قهرا ناسب ذكرها عقب الغصب للإشارة إلى استثنائها منه ، والأصل فيها الإجماع إلا من شذ ، والأخبار كخبر البخاري { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا [ ص: 195 ] وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة } وفي رواية : { له في أرض أو ربع أو حائط ، ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه } : أي لا يحل له ذلك حلا مستوي الطرفين إذ لا إثم في عدم استئذان الشريك .

والربع المنزل والحائط البستان ، وقوله لم يقسم ظاهر في أنه يقبل القسمة إذ الأصل فيما نفي بلم كونه في الممكن بخلاف ما نفي بلا ، واستعمال أحدهما مكان الآخر تجوز ، أو إجمال قاله ابن دقيق العيد ، والعفو عنها أفضل ما لم يكن المشتري نادما أو مغبونا .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 194 ] كتاب الشفعة

( قوله : من الشفع ضد الوتر ) مأخوذة منه ولم يبين المعنى الذي نقلت إليه عن اللغة حين الأخذ ، وفي شرح الروض أنه ضم نصيب إلى نصيب آخر ا هـ . فيكون المأخوذ أخص من المأخوذ منه وهو كاف في المغايرة ( قوله : يجعل نفسه ) أي أو نصيبه ا هـ حج ( قوله : بضمه ) أي بسبب ضمه إلخ ( قوله : أو من الشفاعة ) عطف على من الشفع ( قوله : والتقوية ) عطف مغاير ( قوله : ويرجعان ) أي الزيادة والتقوية لما قبلهما : أي من قوله أو من الشفاعة ، وذلك لأن أقل ما يزاد عليه الواحد والمزيد عليه وتر والزائد إذا انضم إلى الواحد كان المجموع ضد الوتر ( قوله : وقيل ضرر إلخ ) المانع من إرادة الأمرين ا هـ سم على حج .

ولعله ما يأتي من أنه إذا جعل ضرر القسمة اشترط في المأخوذ قبوله لها ، وإن جعل ضرر المشاركة لم يشترط ( قوله : للإشارة إلى استثنائها ) في الاستثناء شيء لعدم دخولها في الغصب لخروجها عنه بقيد عدوانا أو بغير حق إلا أن يراد الإشارة إلى أنها كأنها مستثناة منه ا هـ سم على حج ( قوله : إلا من شذ ) أي حيث منع الأخذ بها ( قوله : { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم } إلخ ) فإن قلت : الأفعال وما نزل منزلتها لا عموم فيها ، وما من صيغ العموم لأنها من كلام الراوي إخبارا عن فعله صلى الله عليه وسلم ، والعموم إنما هو من جهة الألفاظ ولم يعلم ما وقع منه صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن الواقع منه أن شخصا باع حصته من دار فقضى لشريكه بالشفعة ، ويحتمل خلاف ذلك ، فلم يصح الاستدلال بالعموم الذي في ما ويمكن الجواب بأن الراوي فهم العموم مما وقع منه صلى الله عليه وسلم فأخبر عما فهمه من حاله صلى الله عليه وسلم وأقر عليه فصار إجماعا على أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم ، أو يقال نزل القضاء منزلة الإفتاء : أي أفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ ( قوله : في كل ما لم يقسم ) أي مشترك لم يقسم لأن عدم [ ص: 195 ] القسمة يستلزم الشركة ، ورواية مسلم : { في كل شركة لم تقسم } ( قوله : وصرفت ) أي ميزت وبينت ، وهو بالتشديد كما يؤخذ من كلام مالك حيث قال من الصرف بكسر الصاد وهو الشيء الخالص ا هـ شرح المشكاة بالمعنى ، ونصها : وفسرت صرفت ببينت لقول مالك معناه خلصت وبينت من الصرف بكسر أوله وهو الخالص من كل شيء ( قوله : وفي رواية له في أرض ) لعله بعد قوله في كل ما لم يقسم ، وحينئذ فيوافق ما رواه مسلم من قوله { في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط } ، وقوله : إذ لا إثم في عدد إلخ لا يصلح هذا بمجرده صارفا عن الحرمة فكان ينبغي أن يذكر ما يدل على عدمها ، فلعل المراد إذ لا إثم لما ثبت عندهم بالدليل ومع ذلك فيه شيء ( قوله : حتى يؤذن ) أي يعلم ( قوله : والربع المنزل ) أي فهو مفرد ، وقيل اسم جمع .

قال في شرح مسلم للنووي : والربع والربعة بفتح الراء وإسكان الباء والربع الدار والمسكن ومطلق الأرض وأصله المنزل الذي كانوا يربعون فيه ، والربعة تأنيث الربع وقيل واحدة ، والجمع الذي هو اسم الجنس ربع كتمرة وتمر ا هـ ( قوله : بخلاف ما نفي بلا ) أي فيكون في الممكن وغيره ( قوله : أو إجمال ) أي لم تتضح دلالته وذلك حيث لم تنصب قرينة على المراد ، فالمعنى هو مجاز إن وجدت قرينة وإجمال إن لم توجد قرينة تعين المراد مع كونها صارفة عن إرادة الحقيقي بخصوصه ، وأما إذا لم تنصب قرينة أصلا فيجب حمل اللفظ على معناه الحقيقي وهو ظاهر في المنفي بلم لأنه خاص بالممكن فلا يكون في الكلام تجوز ولا إجمال .

وأما المنفي بلا فحيث لا قرينة هو مجمل ( قوله : والعفو عنها ) ظاهره وإن اشتدت إليها حاجة الشريك القديم ، وينبغي خلافه ويحتمل بقاؤه على ظاهره ويكون ذلك من باب الإيثار ، وهو أولى حيث لم تدع إليه ضرورة كالاحتياج للماء للطهارة بعد دخول الوقت ، ومحله أيضا ما لم يترتب على الترك معصية ، فإن ترتب عليه ذلك كأن يكون المشتري مشهورا بالفجور فينبغي أن يكون الأخذ مستحبا بل واجبا إن تعين طريقا لدفع ما يريده المشتري من الفجور ثم ( قوله : أو مغبونا ) عطف سبب على مسبب : أي فيكون الأخذ أفضل

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث