الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا

قوله تعالى : الذين يذكرون الله الآية .

أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ينادي مناد يوم القيامة : أين أولو الألباب؟ قالوا : أي أولو الألباب تريد؟ قال : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم، وقال لهم : ادخلوها خالدين» .

وأخرج الفريابي ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، من طريق جويبر، عن الضحاك عن ابن مسعود في قوله : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال : إنما هذا في الصلاة إذا لم يستطع قائما فقاعدا، وإن لم يستطع قاعدا فعلى جنبه .

وأخرج الحاكم عن عمران بن حصين، أنه كان به البواسير، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على جنب .

[ ص: 179 ] وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» .

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال : «من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن ابن جريج في الآية قال : هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم قال : هذه حالاتك كلها يا ابن آدم، اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره جالسا، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنبك، يسر من الله وتخفيف .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن مجاهد قال : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا .

قوله تعالى : ويتفكرون .

[ ص: 180 ] أخرج ابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ في "العظمة"، والأصبهاني في "الترغيب" عن عبد الله بن سلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال : «لا تفكروا في الله، ولكن تفكروا فيما خلق» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب التفكر" والأصبهاني في "الترغيب"، عن عمرو بن مرة قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال : «تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عثمان بن أبي دهرش قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال : «ما لكم لا تتكلمون؟» قالوا : نتفكر في خلق الله . قال : «كذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني ، وابن مردويه ، والأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» .

وأخرج أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 181 ] «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس قال : تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا في "التفكر"، وابن المنذر ، وابن حبان في "صحيحه"، وابن مردويه ، والأصبهاني في "الترغيب"، وابن عساكر عن عطاء قال : قلت لعائشة : أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : وأي شأنه لم يكن عجبا، إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي، ثم قال : «ذريني أتعبد لربي» . فقام فتوضأ، ثم قام يصلي، فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة، فقلت : يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : «أفلا أكون عبدا شكورا، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب » إلى قوله : « سبحانك فقنا عذاب النار » ثم قال : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعه قال : «من قرأ آخر [ ص: 182 ] سورة "آل عمران" فلم يتفكر فيها ويله» فعد بأصابعه عشرا، قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن؟ قال : يقرؤهن وهو يعقلهن .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان، أو نور الإيمان التفكر .

وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة وأحمد في "الزهد"، وابن المنذر عن عون قال : سألت أم الدرداء : ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء ؟ قالت : التفكر والاعتبار .

وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن ابن عباس قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة .

وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء ، مثله .

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعا، مثله .

وأخرج الديلمي من وجه آخر عن أنس موقوفا : تفكر ساعة في اختلاف [ ص: 183 ] الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة .

وأخرج أبو الشيخ في "العظمة" عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة» .

وأخرج أبو الشيخ والديلمي عن أبي هريرة مرفوعا : «بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم، فقال : والله إني لأعلم أن لك خالقا وربا، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له» .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث