الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان "

القول في تأويل قوله تعالى : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ( 10 ) )

يقول - تعالى ذكره - : والذين جاءوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأولين ( يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) من الأنصار . وعني بالذين جاءوا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار .

وقوله : ( ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) يعني غمزا وضغنا .

وقيل : عني بالذين جاءوا من بعدهم : الذين أسلموا من بعد الذين تبوءوا الدار .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى [ ص: 288 ] وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( والذين جاءوا من بعدهم ) قال : الذين أسلموا نعتوا أيضا .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال : ثم ذكر الله الطائفة الثالثة ، فقال : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ) حتى بلغ ( إنك رءوف رحيم ) إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤمروا بسبهم .

وذكر لنا أن غلاما لحاطب بن أبي بلتعة جاء نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا نبي الله ليدخلن حاطب في حي النار قال : " كذبت إنه شهد بدرا والحديبية " وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر ، فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك يا عمر لعله قد شهد مشهدا اطلع الله فيه إلى أهله ، فأشهد ملائكته أني قد رضيت عن عبادي هؤلاء ، فليعملوا ما شاءوا " فما زال بعضنا منقبضا من أهل بدر ، هائبا لهم . وكان عمر - رضي الله عنه - يقول : وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون ، وهذا الحي من الأنصار ، أحسن الله عليهم الثناء .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله : ( ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ) قال : لا تورث قلوبنا غلا لأحد من أهل دينك .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عبد الرحمن قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن ابن أبي ليلى قال : كان الناس على ثلاث منازل : المهاجرون الأولون : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة .

وقوله : ( للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) يقول - جل ثناؤه - مخبرا عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوءوا الدار والإيمان أنهم قالوا : لا تجعل [ ص: 289 ] في قلوبنا غلا لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا .

قوله : ( إنك رءوف رحيم ) يقول : إنك ذو رأفة بخلقك ، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث