الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحضانة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 416 ] باب الحضانة فائدتان إحداهما : حضانة الطفل : حفظه عما يضره ، وتربيته بغسل رأسه وبدنه وثيابه ، ودهنه وتكحيله وربطه في المهد ، وتحريكه لينام ، ونحو ذلك . وقيل : هي حفظ من لا يستقل بنفسه وتربيته حتى يستقل بنفسه

الثانية : اعلم أن عقد الباب في الحضانة : أنه لا حضانة إلا لرجل عصبة ، أو امرأة وارثة ، أو مدلية بوارث ، كالخالة وبنات الأخوات . أو مدلية بعصبة ، كبنات الإخوة والأعمام والعمة . وهذا الصحيح من المذهب . فأما ذوو الأرحام غير من تقدم ذكره والحاكم فيأتي حكمهم ، والخلاف فيهم وقولنا " إلا لرجل عصبة " قاله الأصحاب . لكن هل يدخل في ذلك المولى المعتق . لأنه عصبة في الميراث ، أو لا يدخل . لأنه غير نسيب ؟ . قال ابن نصر الله في حواشي الفروع : لم أجد من تعرض لذلك . وقوة كلامهم تقتضي عدم دخوله . وظاهر عبارتهم : دخوله . لأنه عصبة وارث . ولو كان امرأة لأنها وارثة . انتهى .

قوله ( وأحق الناس بحضانة الطفل والمعتوه أمه ) بلا نزاع . ولو كان بأجرة المثل كالرضاع . قاله في الواضح واقتصر عليه في الفروع . وهو واضح

قوله ( ثم أمهاتها ) هذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم . [ ص: 417 ] وعنه : تقدم أم الأب على أم الأم . وهو ظاهر كلام الخرقي قاله الزركشي وغيره . قال في المغني : هو قياس قول الخرقي . وأطلقهما في المستوعب ، والمحرر ، والرعايتين ، والحاوي . وعنه : يقدم الأب والجد على غير الأم . قال المصنف ، والشارح بعد ذكر رواية تقديم أم الأب على أم الأم فعلى هذه : يكون الأب أولى بالتقديم ، لأنهن يدلين به . فعلى المذهب : لو امتنعت الأم لم تجبر . وأمها أحق على الصحيح من المذهب وقيل : الأب أحق . ويأتي ذلك في كلام المصنف .

قوله ( ثم الأب ، ثم أمهاته ) وكذا ( ثم الجد ، ثم أمهاته ) وهلم جرا . وهذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وجزم به في الوجيز ، وغيره . وقدمه في الفروع ، وغيره . قال الزركشي : المشهور من الروايتين ، والمختار لعامة الأصحاب : تقديم أم الأب على الخالة . انتهى . وعنه : الأخت من الأم . والخالة أحق من الأب . فعليها : تكون الأخت من الأبوين أحق . ويكون هؤلاء أحق من الأخت للأب ، ومن جميع العصبات . وقيل : هؤلاء أحق من جميع العصبات إن لم يدلين به . فإن أدلين به كان أحق منهن [ ص: 418 ] قال في المحرر وتبعه في الرعاية والفروع : ويحتمل تقديم نساء الأم على الأب وأمهاته وجهته . وقيل : تقدم العصبة على الأنثى إن كان أقرب منها . فإن تساويا فوجهان ويأتي ذلك عند ذكر العصبات

قوله ( ثم الأخت للأبوين ، ثم للأب ، ثم الأخت للأم ، ثم الخالة ، ثم العمة . في الصحيح عنه ) الصحيح من المذهب : أن الأخوات والخالات والعمات بعد الأب والجد وأمهاتهما . كما تقدم وتقدم رواية بتقديم الأخت من الأم والخالة على الأب . وما يتفرع على ذلك . إذا علمت ذلك ، فعلى المذهب : تقدم الأخت من الأبوين على غيرها ممن ذكر بلا نزاع . ثم إن المصنف هنا قدم الأخت للأب على الأخت للأم ، وقدم الخالة على العمة ، وقال . إنه الصحيح عن الإمام أحمد رحمه الله وهذا إحدى الروايات قال الشارح : هذه المشهورة عن الإمام أحمد واختاره القاضي ، وأصحابه . وجزم به في الهداية ، والمذهب ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والبلغة ، والنظم ، والوجيز ، وإدراك الغاية ، وغيرهم . قال بعض الأصحاب : فتناقضوا ، حيث قدموا الأخت للأب على الأخت للأم . ثم قدموا الخالة على العمة . وعنه : تقدم الأخت من الأم على الأخت من الأب ، والخالة على العمة ، وخالة الأم على خالة الأب ، وخالات الأب على عماته ، ومن يدلي من العمات والخالات بأب على من يدلي بأم . وهو المذهب [ ص: 419 ] واختاره القاضي في " كتاب الروايتين " وابن عقيل في التذكرة . فقال : قرابة الأم مقدمة على قرابة الأب . وقدمه في الفروع . وعنه : تقدم الأخت من الأب على الأخت من الأم ، والعمة على الخالة ، وخالة الأب على خالة الأم ، وعمة الأب على خالاته ، ومن يدلي من العمات والخالات بأم على من يدلي بأب منهما . عكس الرواية التي قبلها . واختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله وغيره . قال الزركشي : وهو مقتضى قول القاضي في تعليقه ، وجامعه الصغير ، والشيرازي ، وابن البنا لتقديمهم الأخت للأب على الأخت للأم . وهو مذهب الخرقي . لأن الولاية للأب . فكذا قرابته . لقوته بها . وإنما قدمت الأم لأنه لا يقوم مقامها هنا أحد في مصلحة الطفل . وإنما قدم الشارع خالة ابنة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه على عمتها صفية رضي الله عنها لأن صفية لم تطلب ، وجعفر رضي الله عنه طلب نائبا عن خالتها . فقضى الشارع بها لها في غيبتها . انتهى . وجزم في العمدة ، والمنور بتقديم الأخت للأب على الأخت من الأم . وبتقديم العمة على الخالة .

( قال الخرقي : وخالة الأب أحق من خالة الأم ) وأطلقهما في المحرر ، والرعايتين ، والحاوي الصغير . ولم يذكروا القول الأول .

فائدة :

تستحق الحضانة بعد الأخوات والعمات ، والخالات عمات أبيه ، وخالات أبويه على التفصيل . ثم بنات إخوته وأخواته . ثم بنات أعمامه على التفصيل المتقدم . وهذا المذهب قدمه في المحرر ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفروع . وقيل : تقدم بنات إخوته وأخواته على العمات والخالات . ومن بعدهن .

تنبيه :

تحرير الصحيح من المذهب في ترتيب من يستحق الحضانة فيمن تقدم : [ ص: 420 ] أن أحقهم بالحضانة : الأم ، ثم أمهاتها الأقرب فالأقرب منهن . ثم الجد وإن علا ، ثم أمهاته الأقرب فالأقرب . ثم الأخت للأبوين . ثم للأم . ثم للأب . ثم خالاته ثم عماته . ثم خالات أبويه . ثم عمات أبيه . ثم بنات إخوته وأخواته . ثم بنات أعمامه وعماته ، على ما تقدم من التفصيل . ثم بنات أعمام أبيه ، وبنات عمات أبيه . وهلم جرا .

قوله ( ثم تكون للعصبة ) يعني : الأقرب فالأقرب ، غير الأب والجد وإن علا ، على ما تقدم إذا علمت ذلك : فلا يستحق العصبة الحضانة إلا بعد من تقدم ذكره . وهذا هو الصحيح من المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وقيل : من تقدم ذكره أحق بالحضانة بشرط أن لا يدلين به . فإن أدلين بالعصبة : كان أحق منهن . وهو احتمال في المحرر ، وغيره . وقيل : تقدم العصبة على الأنثى إن كان أقرب منهما . فإن تساويا فوجهان وتقدم ذكر الخلاف وبناؤه . فائدة :

متى استحقت العصبة الحضانة : فهي للأقرب فالأقرب من محارمها . فإن كانت أنثى ، وكانت من غير محارمها كما مثل المصنف بقوله " إلا أن الجارية ليس لابن عمها حضانتها . لأنه ليس من محارمها " فالصحيح من المذهب : أنه ليس له حضانتها مطلقا . جزم به في المحرر ، والمنور . وقدمه في الرعايتين ، والفروع . وجزم في المغني ، والشرح ، والنظم ، وغيرهم : أنه لا حضانة لها إذا بلغت سبعا . وقدمه في تجريد العناية وجزم في البلغة والترغيب : أنه لا حضانة له إذا كانت تشتهى . فإن لم تكن تشتهى : فله الحضانة . [ ص: 421 ] واختاره في الرعاية وجزم به في الوجيز . قلت : فلعله مراد المصنف ومن تابعه ، إلا أن صاحب الفروع وغيره حكاهما قولين . واختار ابن القيم رحمه الله في الهدى : أن له الحضانة مطلقا . ويسلمها إلى ثقة يختارها هو ، أو إلى محرمه . لأنه أولى من أجنبي وحاكم . وكذا قال فيمن تزوجت وليس للولد غيرها . قال في الفروع : وهذا متوجه . وليس بمخالف للخبر ، لعدم عمومه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث