الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في اجتماع المصالح المجردة عن المفاسد

إذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة ، فإن أمكن تحصيلها حصلناها ، وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل ، لقوله تعالى : { فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } .

وقوله : { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم } ، وقوله : { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } ، فإذا استوت مع تعذر الجمع تخيرنا ، وقد يقرع ، وقد يختلف في التساوي والتفاوت ، ولا فرق في ذلك بين المصالح الواجبات والمندوبات ، ولبيان الأفضل وتقديم الفاضل على المفضول أمثلة : أحدها : تقديم العرفان بالله وصفاته على الإيمان بتلك ، ويقوم الاعتقاد في حق العامة مقام العرفان ، ويقوم الإيمان المبني على العرفان لتعذر وصول العامة إلى العرفان وما يتبعه من الإيمان ، وعلى ذلك الإيمان بالرسل وبما جاءوا به من الشرائع والأخبار وعذاب الفجار وثواب الأبرار ، والعرفان متقدم على ذلك لشرفه في نفسه لتعلقه بالديان ، ولأنه شرط في صحة عبادة الرحمن ، وهو أيضا مقدم بالزمان إلا على النص الدال عليه المفضي إليه ، وليس يقدم النظر إلا بالزمان ، وإنما تأخر [ ص: 63 ] الإيمان بالكتب والرسل ، إذ لا يمكن أن يؤمن بالرسول والرسالة من لا يعرف المرسل ، فقد تأخر لقصور رتبته عن رتبة الإيمان . والعرفان لكونه تعلق بمخلوق ، ولتعذر تحصيله قبل تحصيل الاعتقاد والإيمان والعرفان ، ولفضل الإيمان تأخرت الواجبات عند ابتداء الإسلام ترغيبا فيه ، فإنها لو وجبت في الابتداء لنفروا من الإيمان لثقل تكاليفه .

ولذلك أمثلة أحدها . أن الله أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء لأنه لو أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم .

المثال الثاني : الصيام لو وجب في ابتداء الإسلام لنفروا من الدخول في الإسلام .

المثال الثالث : تأخير وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد تنفيرا لغلبة الضنة بالأموال .

المثال الرابع : الجهاد لو وجب في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام ; لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين .

المثال الخامس : القتال في الشهر الحرام لو أجل في ابتداء الإسلام لنفروا منه لشدة استعظامهم لذلك ، وكذلك القتال في البلد الحرام .

المثال السادس : القصر على أربع نسوة ، لو ثبت في ابتداء الإسلام لنفرت الكفار من الدخول فيه ، وكذلك القصر على ثلاث طلقات ; فتأخرت هذه الواجبات تأليفا على الإسلام الذي هو أفضل من كل واجب ، ومصلحته تربو على جميع المصالح .

ولمثل هذا قر الشرع من أسلم منهم على الأنكحة المعقودة على خلاف [ ص: 64 ] شرائط الإسلام ، وكذلك أسقط عن المجانين ما يتلفونه من أنفس المؤمنين وأموالهم لأنه لو ألزمهم بذلك لنفروا من الدخول في الإسلام .

وكذلك بني على الإسلام غفران جميع الذنوب لأن عهدها لو بقيت بعد الإسلام لنفروا ، وكذلك قال جماعة قد زنوا فأكثروا من الزنا ومن غيره من الكبائر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . إن ما تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ؟ فأنزل الله تعالى : { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } الآية ، وقال في غيرهم : { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } ، وإنما أمرهم في ابتداء الإسلام بإفشاء السلام .

وإطعام الطعام ، وصلة الأرحام ، والصدق والعفاف ، لأن ذلك كان ملائما لطباعهم حاثا على الدخول في الإسلام ، وكذلك ألف صلى الله عليه وسلم جماعة على الإسلام بما دفعه لهم من الأموال ، وامتنع من قتل جماعة من المنافقين قد عرف بنفاقهم خوفا أن يتحدث الناس بأنه أخذ في قتل أصحابه فينفروا من الدخول في الإسلام ، فهذه كلها مصالح أخرت ، لما في تقديمها من المفاسد المذكورة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث