الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كل من عليها فان

( كل من عليها فان )

ثم قال تعالى : ( كل من عليها فان ) وفيه وجهان : أحدهما : وهو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض ، وهي معلومة وإن لم تكن مذكورة ، قال تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ) [ فاطر : 45 ] الآية وعلى هذا فله ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأنه تعالى لما قال : ( وله الجواري المنشآت ) إشارة إلى أن كل أحد يعرف ويجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه وجسمه وماله في قبضة الله تعالى ، فإذا خرج إلى البر ونظر إلى الثبات الذي للأرض والتمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره وقال : لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وكل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء ، ولو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه . الثاني : أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال : الجواري ولا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب ، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك الله تعالى وهو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعا ولا ضرا ، وقوله تعالى : ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) يدل على أن الصحيح الأول وفيه مسائل :

[ ص: 93 ] المسألة الأولى : ( من ) للعقلاء وكل ما على وجه الأرض مع الأرض فان ، فما فائدة الاختصاص بالعقلاء ؟ نقول : المنتفع بالتخويف هو العاقل فخصه تعالى بالذكر .

المسألة الثانية : الفاني هو الذي فني وكل من عليها سيفنى فهو باق بعد ليس بفان ، نقول كقوله : ( إنك ميت ) [ الزمر : 30 ] وكما يقال للقريب إنه واصل ، وجواب آخر : وهو أن وجود الإنسان عرض وهو غير باق وليس بباق فهو فان ، فأمر الدنيا بين شيئين حدوث وعدم ، أما البقاء فلا بقاء له لأن البقاء استمرار ، ولا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذي هو القول بأن الجسم لا يبقى زمانين كما قيل في العرض ، لأنا نقول قوله ( من ) بدل قوله " ما " ينفي ذلك التوهم لأني قلت : من عليها فان لا بقاء له ، وما قلت : ما عليها فان ، ومن مع كونه على الأرض يتناول جسما قام به أعراض بعضها الحياة والأعراض غير باقية ، فالمجموع لم يبق كما كان وإنما الباقي أحد جزأيه وهو الجسم وليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة " من " ، فالفاني ليس ما عليها وما عليها ليس بباق .

المسألة الثالثة : ما الفائدة في بيان أنه تعالى قال : ( فان ) ؟ نقول : فيه فوائد ( منها ) : الحث على العبادة وصرف الزمان اليسير إلى الطاعة ، ( ومنها ) : المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول : إذا كان في نعمة إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى الله معتمدا على ماله وملكه ، ( ومنها ) : الأمر بالصبر إن كان في ضر فلا يكفر بالله معتمدا على أن الأمر ذاهب والضر زائل ، ومنها : ترك اتخاذ الغير معبودا والزجر على الاغترار بالقرب من الملوك وترك التقرب إلى الله تعالى فإن أمرهم إلى الزوال قريب ، فيبقى القريب منهم عن قريب في ندم عظيم ، لأنه إن مات قبلهم يلقى الله كالعبد الآبق ، وإن مات الملك قبله فيبقى بين الخلق وكل أحد ينتقم منه ويتشفى فيه ، ويستحي ممن كان يتكبر عليه ، وإن ماتا جميعا فلقاء الله عليه بعد التوفي في غاية الصعوبة ، ( ومنها ) : الحث على التوحيد ، وترك الشرك الظاهر والخفي جميعا ؛ لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث