الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معنى القنوت

معنى القنوت

قال في الترجمة : له معان متعددة : الطاعة ، والخشوع ، والصلاة ، والدعاء ، والقيام ، والسكوت ، والمراد به هنا : القيام .

واختلف العلماء في أن طول القيام أفضل ، أم الطول في السجدة؟ فذهب بعضهم إلى الأول ، وآخرون إلى الآخر .

وقال بعضهم : طول القيام أفضل في صلاة الليل ، وطول السجود أفضل في النهار ، ودلائل الفريقين مذكورة في «شرح سفر السعادة» ، وبعضهم على أن هذين الركنين كلاهما مساويان في الفضل .

ففضيلة القيام بقراءة القرآن ، وفضيلة السجود بالهيئة من التذلل والخشوع .

ومذهب الحنفية : أن القيام أفضل; لكثرة المشقة ، وزيادة الخدمة فيه . انتهى .

[ ص: 124 ] قلت : هذا تعليل عقلي لحكم شرعي ، والأولى القصر على ما ورد ، من غير خوض في وجه حكمته ، وتفويض أمثال هذه المسائل إلى عالمها ، وهو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

قال : قلت : أي الهجرة أفضل؟ قال : «أن تهجر ما كره ربك» ، ولم يرض به ، وهذا في حق من لم تجب عليه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام .

وأما من وجبت عليه مع وجود شرائطها ، فعليه أن يجمع بين هذين النوعين ، وإلا لم تنفع له هجرته .

قال : قلت : فأي الجهاد أفضل ؟ قال : «من عقر جواده» ; أي : قتل فرسه ، وأهريق دمه» ، ولا بد أنه سعى غاية السعي ، واجتهد غاية الاجتهاد ، حتى وصل إلى هذه المرتبة العليا .

وأيضا استحق ثواب الآخرة فقط ، ولم ينل غنيمة ولا مالا من الدنيا ، بل ذهب طاهرا من أن يأكل الدنيا بالدين .

قال : قلت : أي الساعات أفضل ؟ أي : لصلاة الليل ، قال : «جوف الليل الآخر» ; أي : الحصة الرابعة ، أو الخامسة منه ، فإن ضموا إليه الحصة السادسة ، كان شاملا للسدس الأخير أيضا . رواه أحمد .

هذا الحديث قد اشتمل على أوصاف حسنة عديدة ، ينبغي تحصيلها لكل مسلم مؤمن ، حتى يكون إيمانه كاملا ، وإسلامه تاما ، ويستحق ما لهذه الصفات من الأجور والمثوبات .

وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإيمان ، قال : «أن تحب لله ، وتبغض لله» تقدم شرح هذه الجملة قريبا ، وتعمل لسانك في ذكر الله» ، قال : وماذا أصنع بعد ذلك يا رسول الله ؟ قال : «أن تحب للناس ما تحب لنفسك ، وتكره لهم ما تكره لنفسك» . رواه أحمد . وهذا من أصعب الأمور عند الجمهور إلا من وفقه الله ورحمه .

[ ص: 125 ] ولكن ينبغي لكل مؤمن ، أن يجهد في الاتصاف بهذه الصفة ، مهما أمكن ، ولا يتركها سدى .

وفيه دلالة على أفضلية هذه الخصلة ، وبيان فضيلة الذكر ، والحث على نصح المؤمنين ، يحب ما يحب له ، وكراهة ما يكره له في حقهم .

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله» . المراد بالشهادة هنا : الإقرار بهذه الكلمة ، أو بما هو في حكمها; كقبول الجزية والصلح ، والدخول في الأمان ، أو كان صدور هذا القول قبل شرعية تلك الأحكام .

«ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة» فيه : أن وجوب القتال ينتهي بالشهادة .

وذكر هذه العبادات للإشارة إلى تمامها وكمالها ، بإتيان أركان الإسلام .

وقال بعض أهل العلم : إن القتال ثابت على ترك الواجبات والفرائض ، والإصرار عليه بالتأويل الفاسد ، كما قاتل أبو بكر - رضي الله عنه - مع مانعي الزكاة ، بل قالوا : إن ترك قوم سنة من شعائر الإسلام; كالأذان ، والختان ، ويصرون عليه ، فللإمام أن يقاتلهم على ذلك .

وإنما خص الصلاة والزكاة بالذكر; لأنهما أصل العبادات الفاضلة ، أو للإشارة إلى قسمي العبادة البدنية والمالية ، وهما تذكران في القرآن في موضع واحد كثيرا ، أو لعله لم يفرض في ذلك الوقت إلا هاتان العبادتان . «فإذا فعلوا ذلك» ; أي : الشهادة والصلاة والزكاة ، «عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام» ، وحكم الشريعة; كالقصاص في القتل ، والحد في الزنا ، وكأخذ شطر المال ممن لا يؤدي الزكاة ، «وحسابهم على الله» ; أي : فيما يسترون من الكفر والمعاصي بعد ذلك ، يعني : نحن نحكم بظاهر الإسلام ، ونترك دماءهم ، وأموالهم معصومة .

فإن كانوا أبطنوا الكفر ، أو المعصية ، فالله حسيبهم ، يحكم بينهم في الآخرة [ ص: 126 ] على حسب باطنهم . متفق عليه ، إلا أن مسلما لم يذكر : «إلا بحق الإسلام» .

قال في الترجمة : هذا الحديث دليل على قبول توبة الملحدين والزنادقة . فإن جاؤوا وتابوا ، نقبل منهم توبتهم ، ولا نقتلهم ، ونكل باطنهم إلى الله .

وللعلماء في هذه المسألة أقوال ، ذكرها الطيبي ، أصحها : القبول ، وأظهرها : إن ألحد أحد ، وقال قبيحا ، ثم رجع عنه قريبا ، وتاب رغبة في الإسلام ، تقبل توبته ، وإن أصر وتمرد من خوف الروح ، ودفع الوقت ، لا تقبل توبته . والله أعلم .

ومن قال : إن توبة هؤلاء ليست بمقبولة . فمرادهم : أنه يقتل ، فإن كانت توبته صحيحة في الواقع ، تنفعه في الآخرة . انتهى .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه ، قال : أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة ، قال : «تعبد الله ، ولا تشرك به شيئا» .

لم يذكر هنا الشهادتين; لشهرتهما ، أو السؤال عن عمل بعدهما) .

والمراد بالشرك : إما عبادة الأوثان ، أو الرياء; فإن فيه تشريك المخلوق بالخالق ، ولهذا ورد في الأحاديث : أنه شرك أصغر .

قال في الترجمة : والظاهر من الحديث : هو هذا المعنى . انتهى .

قلت : النكرة في سياق النفي ، وهو يعم كل شيء يصدق عليه شرعا أنه شرك ، ويدخل فيه الرياء دخولا أوليا . وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة» .

قال في «الترجمة» : الزكاة اسم لهذه الفريضة . والمراد بها هنا الصدقة . «وتصوم رمضان» إنما خص الفرائض; لأنها في الأصل تكفي للنجاة من النار ، والدخول في الجنة ، ولعل الفرائص لم تكن في ذلك الوقت زائدة على هذا القدر .

[ ص: 127 ] وحيث إن الأعرابي كان طالبا لأصل دخول الجنة ، قال : والذي نفسي بيده ! لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه; أي : لا أزيد عليه شيئا من النوافل ، ولا أنقص من هذه الفرائض وصاحب هذا الحال ناج بلا شك وشبهة ، وإن كان مسيئا بترك السنن ، وبترك النوافل ، محروما من المراتب والدرجات .

أو المراد : الزيادة على الحد المشروع ، والنقصان منه; كزيادة الركعة ونقصانها .

أو المراد : لا أزيد في السؤال ، ولا أنقص في القبول .

أو كان هذا السائل رسول قوم ، فحلف على عدم الزيادة والنقصان في تبليغ الأحكام إليهم أو هذا الكلام كناية عن المبالغة والشدة في الأخذ والاهتمام بأمر الشارع ، والأول أولى .

فلما ولى ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة» يعني : الذي يريد أن ينظر رجلا من أهل الجنة ، «فلينظر إلى هذا الرجل ويبصره .

بشره صلى الله عليه وسلم بالجنة; لما رأى من صدقه ويقينه وعقيدته بأحكام الدين . متفق عليه .

وهذه البشارة تشمل كل من يعمل مثل عمل هذا الرجل ، ويتبع سيد الرسل في أوامره ونواهيه ، ولا يزيد عليها ولا ينقص منها .

ومن زاد أو نقص ، فهو عن هذه البشارة بمعزل; لأنه أفرط وفرط; كحال سائر الفرق غير الفرقة الناجية .

فمنهم من زاد ، ومنهم من نقص ، وخيرهم من تبع ، ولم يزد ولم ينقص .

وعن سفيان بن عبد الله الثقفي ، قال : قلت : يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك . وفي رواية : غيرك . قال : «قل آمنت بالله» ; أي : بجميع ما يجب به الإيمان «ثم استقم» رواه مسلم . يعني : اشهد [ ص: 128 ] بالتوحيد ، وصدق بالله ، وبأسمائه ، وصفاته ، وأفعاله ، وبما أخبر ، واقبل أمره ونهيه ، ثم التزم القيام بذلك كله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث