الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

معنى الاستقامة

معنى الاستقامة

والاستقامة : هي ملازمة الإنسان للصراط السوي . والمراد بها هنا : الدوام والثبات والاعتدال ، من دون زيغ وفتور . قال في «القاموس» : استقام الأمر : اعتدل .

وقال في شرح المحكم» : هي الاستحكام في اتباع الحق على منهج السداد ، بلا إفراط وتفريط .

وفي «قواعد الطريقة» : إنها بعث النفس على أخلاق الكتاب والسنة ، وجعلها مرتبة معتادة بتحصيل الملكات الراسخة لها من الفضائل والفواضل ، وهي مرتبة عظمى ، قل من يصيبها من المسلمين ، ولهذا قيل : الاستقامة فوق الكرامة .

والحديث مقتبس من قوله سبحانه : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا يعني : على امتثال الأوامر ، واجتناب الزواجر ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

وعن طلحة بن عبيد الله ، قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد . النجد في الأصل : ما ارتفع من الأرض ، وبه سميت الأراضي الواقعة بين تهامة والعراق ، والغور ضده . ثائر الرأس; أي منتشر شعر رأسه . نسمع دوي صوته; وهو الصوت الذي لا يفهم منه شيء من دوي الذباب والنحل; ولا نفقه ما يقول; أي : لا نفهمه من جهة البعد; لضعف صوته; حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو يسأل عن الإسلام; أي : عن فرائضه ، لا عن حقيقته ، ولهذا لم يذكر الشهادتين ، ولكون السائل متصفا به ، فلا حاجة إلى ذكره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خمس صلوات في اليوم والليلة» ، فقال : هل علي غيرهن ؟

[ ص: 129 ] فقال : «لا إلا أن تطوع» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وصيام شهر رمضان» ، فقال : هل علي غيره ؟ قال : «لا ، إلا أن تطوع» ، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة ، فقال : هل علي غيرها ؟ قال : «لا ، إلا أن تطوع» قال طلحة : فأدبر الرجل وهو يقول : والله! لا أزيد على هذا ، ولا أنقص منه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أفلح الرجل إن صدق»
; أي : في هذا القول والعمل به ، أو في هذه الرغبة ، والاهتمام بشأن الإسلام المفهوم من كلامه . فالفوز والفلاح على هذا المعنى بصدق النية . متفق عليه ، وفي رواية للبخاري : لا أتطوع شيئا ، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا .

قال في الترجمة : سأل الرجل عن الفرائض ، فذكرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكأن الحج لم يكن فرض في ذلك الوقت ، أو لم يكن الرجل من أهله ، وكذلك لم يكن الوتر وجب في ذاك الزمان ، أو الوتر ليس بفرض قطعي ، فلم يذكره لذلك . انتهى .

وأقول : الظاهر أن هذا الحديث غير حديث أبي هريرة المتقدم ، وأن الرجل السائل غير الرجل . وفي هذا ذكر التطوع ، وليس ذلك في الأول ، وفي هذا تصريح بكونه من أهل «نجد» ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بالفلاح ، فهذا يدل - بفحوى الخطاب - على فضيلة أهل نجد ، وأنهم من مبتغي الإسلام ومتبعيه .

وفيه : بيان كفاية الاستقامة على الفرائض; للنجاة من النار ، والدخول في الجنة ذات الأنهار .

وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحوله عصابة من أصحابه; أي : جماعة ، وهي من عشر إلى أربعين : «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوا في معروف عرف في الشرع الشريف حسنه أو قبحه .

قال في الترجمة : أصل المبايعة من البيع ، كأن من يعهد مع أحد ، يبيع ذاته [ ص: 130 ] بيده; كما يضربون اليد على اليد عند البيع ، وقد جرت العادة بهذا في المعاهدة أيضا .

والمراد بالإشراك هنا : عبادة الأصنام ، أو الرياء في العمل . انتهى .

وأقول : لا وجه لهذا الحصر; فإن اللفظ أوسع من ذلك ، وقد تقدم أن الشرك يكون في العبادة والعادة ، بل في كل شيء . وهو أخفى من دبيب النمل ، والحديث دليل على سنية هذه البيعة ، ولها أنواع ، فمن أنكرها ، فقد أبعد النجعة ، وكأنه لم يقف على دواوين السنة المطهرة ، بل ولا على القرآن الكريم ، مع سهولة تناوله وعموم تلاوته في كل مكتب ومدرسة . «فمن وفى منكم ، فأجره على الله» لاستقامته على ما بايع عليه ، «ومن أصاب من ذلك شيئا» ; أي : السرقة ، والزنا ، وقتل الأولاد خشية الإملاق ، والبهتان المفترى ، والعصيان في المعروف ، باقتراح المنكر ، لا الشرك ، «فعوقب به في الدنيا» ، فهو; أي : العقاب «كفارة له» ; أي : سبب لمحو الحوبة وعفوها ، ولا عذاب عليه بعد ذلك في الآخرة .

ومن أصاب من ذلك شيئا ، ثم ستره الله عليه ، فهو إلى الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه» . وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة . وقالت المعتزلة بوجوب العقاب على العاصي ، وعدم العفو عنه ، وهذا الخبر يرد عليهم ، والمرجو من الله سبحانه أنه يستر في الآخرة على من ستر عليه في الدنيا; لأن رحمته سابقة على غضبه ، ولم يستره في الدنيا إلا شاء أن يستره في الآخرة ، اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا . فبايعناه على ذلك . متفق عليه .

وفي الحديث دلالة على أن طلب المبايعة من الأصحاب سنة ، وكذلك بيعتهم على ذلك سنة ، والوفاء بها واجب ، ونقضها عمدا معصية ، والتقصير في الوفاء بها من غير إرادة مرجو العفو على التفصيل المذكور . والله أعلم .

[ ص: 131 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث