الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الذبيحة بالمروة

باب في الذبيحة بالمروة

2821 حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنا نلقى العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالمروة وشقة العصا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرن أو أعجل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة وتقدم به سرعان من الناس فتعجلوا فأصابوا من الغنائم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الناس فنصبوا قدورا فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدور فأمر بها فأكفئت وقسم بينهم فعدل بعيرا بعشر شياه وند بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فافعلوا به مثل هذا

التالي السابق


بفتح ميم وسكون راء حجر أبيض ويجعل منه كالسكين قاله في المجمع .

( عن عباية ) : بفتح المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف تحتانية ( عن أبيه ) : وهو رفاعة ( عن جده ) : أي جد عباية ( رافع بن خديج ) : بدل من جده ( غدا ) : يحتمل حقيقة أو مجازا أي في مستقبل الزمان ( وليس معنا مدى ) : بالضم والقصر جمع مدية وهي السكين والجملة حالية ( أرن أو أعجل ) : [ ص: 15 ] قال النووي : أما أعجل فهو بكسر الجيم ، وأما أرن فبفتح الهمزة وكسر الراء وإسكان النون . وروي بإسكان الراء وكسر النون ، وروي أرني بإسكان الراء وزيادة ياء .

قال الخطابي : صوابه ائرن على وزن اعجل وهو بمعناه وهو من النشاط والخفة أي أعجل ذبحها لئلا تموت خنقا . قال وقد يكون أرن على وزن أطع أي أهلكها ذبحا من أران القوم إذا هلكت مواشيهم . قال ويكون أرن على وزن أعط بمعنى أدم الحز ولا تفتر من قولهم رنوت إذا أدمت النظر . وفي الصحيح : أرن بمعنى أعجل وإن هذا شك من الراوي هل قال أرن أو قال أعجل . . انتهى . وقد رد القاضي عياض على بعض كلام الخطابي كما ذكره النووي في شرح صحيح مسلم وقال ابن الأثير في النهاية : هذه اللفظة قد اختلف في صيغتها ومعناها .

قال الخطابي : هذا حرف طال ما استثبت فيه الرواة وسألت عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عند واحد منهم شيئا يقطع بصحته وقد طلبت له مخرجا فرأيته يتجه لوجوه ، أحدها : أن يكون من قولهم أران القوم فهم مرينون إذا هلكت مواشيهم فيكون معناه أهلكها ذبحا وأزهق نفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر على ما رواه أبو داود في السنن بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون ، والثاني : أن يكون إأرن بوزن إعرن من أرن يأرن إذا نشط وخف يقول خف وأعجل لئلا تقتلها خنقا ، وذلك أن غير الحديد لا يمور في الذكاة موره ، والثالث : أن يكون بمعنى أدم الحز ولا تفتر من قولك رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته أو يكون أراد أدم النظر إليه وراعه ببصرك ، لئلا تزل عن المذبح ، وتكون الكلمة بكسر الهمزة والنون وسكون الراء بوزن إرم .

وقال الزمخشري : كل من علاك وغلبك فقد ران بك ، ورين بفلان ذهب به الموت ، وأران القوم إذا رين بمواشيهم أي هلكت وصاروا ذوي رين في مواشيهم ، فمعنى إرن أي صر ذا رين في ذبيحتك . ويجوز أن يكون أران تعدية ران أي أزهق نفسها . انتهى كلام ابن الأثير ( ما أنهر الدم ) : أي أساله وصبه بكثرة شبه بجري الماء في النهر ، والإنهار الإسالة والصب بكثرة .

قال الطيبي : يجوز أن تكون ما شرطية وموصولة ، وقوله فكلوا جزاء أو خبر ، واللام في الدم بدل من المضاف إليه ، وذكر اسم الله حال منه . . انتهى .

قال القاري : وذكر اسم الله [ ص: 16 ] عطف على أنهر الدم سواء تكون ما شرطية أو موصولة انتهى ( ما لم يكن سن أو ظفر ) : بضمتين ويجوز إسكان الثاني وبكسر أوله شاذ على ما في القاموس وفي بعض النسخ سنا أو ظفرا بالنصب على أنه خبر لم يكن أي ما لم يكن المنهر سنا أو ظفرا وهو الظاهر ، وعلى الأول فكلمة لم يكن تامة ( أما السن فعظم ) : أي وكل عظم لا يحل به الذبح .

قال النووي : معناه فلا تذبحوا به لأنه يتنجس بالدم ، وقد نهيتم عن الاستنجاء بالعظام لئلا يتنجس لكونها زاد إخوانكم من الجن . . انتهى . والحديث فيه بيان أن السن والظفر لا يقع بهما الذكاة بوجه . وفيه دلالة على أن العظم كذلك لأنه لما علل بالسن قال : لأنه عظم فكل عظم من العظام يجب أن تكون الذكاة به محرمة غير جائزة ( وأما الظفر فمدى الحبشة ) : أي وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم . قاله ابن الصلاح وتبعه النووي . وقيل نهي عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان ولا يقع به غالبا إلا الخنق الذي ليس هو على صورة الذبح . وقد قالوا إن الحبشة تدمي مذابح الشاة بالظفر حتى تزهق نفسها خنقا . ذكره الحافظ ( فأمر بها ) : أي بالقدور ( فأكفئت ) : بضم الهمزة وسكون الكاف أي قلبت وأفرغ ما فيها .

قال النووي : وإنما أمر بإراقتها لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة ، فإن الأكل من الغنائم قبل القسمة إنما يباح في دار الحرب ( وند ) : أي شرد وفر ( ولم يكن معهم خيل ) : وفي رواية البخاري وكان في القوم خيل يسيرة قال الحافظ : أي لو كان فيهم خيول كثيرة لأمكنهم أن يحيطوا به فيأخذوه . قال ووقع في رواية أبي الأحوص ولم يكن معهم خيل أي كثيرة أو شديدة الجري فيكون النفي لصفة في الخيل لا لأصل الخيل جمعا بين الروايتين ( فحبسه الله ) : أي أصابه السهم فوقف ( إن لهذه البهائم ) : قال التوربشتي : اللام فيه بمعنى من ( أوابد ) : جمع آبدة وهي التي توحشت ونفرت . قال الحافظ : والمراد أن لها توحشا ( كأوابد [ ص: 17 ] الوحش ) : أي حيوان البر ( وما فعل منها ) : أي من هذه البهائم ( هذا ) : أي التنفر والتوحش ( فافعلوا به مثل هذا ) : أي فارموه بسهم ونحوه . والحديث دليل على أنه يجوز الذبح بكل محدد ينهر الدم فيدخل فيه السكين والحجر والخشبة والزجاج والقصب وسائر الأشياء المحددة ، وعلى أن الحيوان الإنسي إذا توحش ونفر فلم يقدر على قطع مذبحه يصير جميع بدنه في حكم المذبح كالصيد الذي لا يقدر عليه .

قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث