الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

فهذا ما ذكره في كتابه المشهور بأبكار الأفكار المصنف في الكلام، وليس في هذا تعرض لإبطال علل ومعلولات ممكنة مجتمعة لا نهاية لها، ولكن فيه إثبات واجب الوجود خارجا عنها، وقد ذهب طائفة من أهل الكلام كأصحاب معمر إلى إثبات معان لانهاية لها مجتمعة، وهي الخلق، وهي شرط في الحدوث.

ثم إنه في كتابه المسمى بدقائق الحقائق في الفلسفة ذكر هذه الحجة وزاد فيها إبطال إثبات علل ومعلولات لا نهاية لها، ولكنه اعترض عليها باعتراض، وذكر أنه لا جواب له عنه، فبقيت حجته على إثبات واجب الوجود موقوفة على هذا الجواب.

فقال بعد أن ذكر ما ذكره هنا: "الجملة إما أن تكون باعتبار ذاتها واجبة، أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة، وإلا لما كانت آحادها ممكنة، وما يتوهمه بعض الناس من قوله إنه إذا كانت الآحاد ممكنة ومعناه افتقار كل واحد إلى علته، وكانت الجملة هي مجموع الآحاد، فلا مانع من إطلاق الوجوب وعدم الإمكان عليها، بمعنى أنها غير [ ص: 94 ] مفتقرة إلى أمر خارج عن ذاتها، وإن كانت أبعاضها مما يفتقر بعضها إلى بعض فتوهم ساقط، فإنه إذا قيل إن الجملة غير ممكنة فقد بينا في المنطقيات أن كل ما ليس بممكن بالمعنى الخاص، فإما واجب لذاته وإما ممتنع، لا جائز أن يقال بالامتناع، وإلا لما كانت موجودة، بقي أن تكون واجبة بذاتها، وإذا كانت الجملة هي مجموع آحادها وكل واحد من الآحاد ممكن، فالجملة أيضا ممكنة بذاتها، والواجب باعتبار ذاته يستحيل أن يكون ممكنا باعتبار ذاته، وإن كانت ممكنة فلا بد لها من مرجح لضرورة كونها موجودة، والمرجح فإما أن يكون ممكنا أو واجبا لا جائز أن يكون ممكنا إذ هو من الجملة، ثم يلزم أن يكون مرجحا لنفسه لكونه مرجحا للجملة، والمرجح للجملة مرجح لآحادها وهو من آحادها، وذلك محال، ثم يلزم أن يكون علة علته وهو دور ممتنع، وإن كان واجبا لذاته غير مفتقر إلى علة في وجوده، فإما أن يكون علة للجملة أو لبعضها، فإن كان علة للجملة لزم أن يكون علة لكل واحد من آحادها، إذ الجملة هي مجموع الآحاد، وهو محال من جهة إفضائه إلى كون كل واحد من آحاد الجملة المفروضة معللا بعلتين، وهي العلة الواجبة الوجود، وما قيل إنه علة له من آحاد الجملة، وإن كان علة لبعض منها لا يكون معلولا لغيره فهو خلاف الفرض.

وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدم النهاية فهو محال، كيف وكل علل ومعلولات قيل باستنادها إلى علة لا علة لها، فالقول [ ص: 95 ] بكونها غير متناهية محال، وجمع بين متناقضين، وهو القول بأن ما من علة إلا ولها علة، والقول بانتهاء العلل والمعلولات إلى علة لا علة لها.

فإذا قد اتضح بما مهدنا امتناع كون العلل والمعلولات غير متناهية، وأن القول بأن لا نهاية لها محال.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث