الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإذا غربت الشمس دفع إلى المزدلفة ، لحديث علي - كرم الله وجهه - ويمشي وعليه السكينة لما روى الفضل بن عباس رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا : عليكم بالسكينة } فإذا وجد فرجة أسرع لما روى أسامة رضي الله عنه " { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص ، ويجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة } على ما بيناه في كتاب الصلاة ، فإن صلى كل واحدة منهما في وقتها جاز ; لأن الجمع رخصة لأجل السفر فجاز له تركه . ويثبت بها إلى أن يطلع الفجر الثاني ، لما روى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ، واضطجع حتى إذا طلع الفجر صلى الفجر } وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر } وهل يجب المبيت بمزدلفة أم لا ؟ فيه قولان ( أحدهما ) يجب لأنه نسك مقصود في موضع فكان واجبا كالرمي ( والثاني ) أنه سنة لأنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة ، فإن قلنا إنه يجب وجب بتركه الدم وإن قلنا إنه سنة لم يجب بتركه الدم .

                                      ويستحب أن يؤخذ منها حصى جمرة العقبة لما روى الفضل بن العباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال غداة يوم النحر القط لي حصى ، فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف } ولأن السنة إذا أتى منى لا يعرج على غير الرمي ، فاستحب أن يأخذ الحصى حتى لا يشتغل عن الرمي ، وإن أخذ الحصى من غيرها جاز لأن الاسم يقع عليه . ويصلي الصبح بالمزدلفة في أول الوقت وتقديمها أفضل ، لما روى [ ص: 144 ] عبد الله قال { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا المغرب والعشاء بجمع ، وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها } ولأنه يستحب الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر الدعاء . فإذا صلى وقف على قزح وهو المشعر الحرام ويستقبل القبلة ويدعو الله تعالى ، لما روى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب القصواء حتى رقي على المشعر الحرام واستقبل القبلة فدعا الله عز وجل وكبر وهلل ووحد ولم يزل واقفا حتى أسفر جدا ثم دفع قبل أن تطلع الشمس } والمستحب أن يدفع قبل طلوع الشمس لحديث جابر ، فإن أخر الدفع حتى طلعت الشمس كره لما روى المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس ليخالف هدينا هدي أهل الأوثان والشرك } فإن قدم الدفع بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز لما روت عائشة رضي الله عنها { أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة ثبطة ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل الإفاضة ليلا في ليلة المزدلفة فأذن لها } " والمستحب إذا دفع من المزدلفة أن يمشي وعليه السكينة ، لما ذكرناه من حديث الفضل بن عباس ، وإذا وجد فرجة أسرع كما يفعل في الدفع من عرفة .

                                      والمستحب إذا بلغ وادي محسر أن يسرع إذا كان ماشيا أو يحرك دابته إذا كان راكبا بقدر رمية حجر ، لما روى جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم حرك قليلا في وادي محسر } )

                                      [ ص: 162 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) أما حديث علي رضي الله عنه فسبق في فصل الوقوف بعرفات أنه حديث صحيح . ومما في معناه حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { لم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص } رواه مسلم . وحديث الفضل بن العباس رواه مسلم ، وحديث أسامة رواه البخاري ومسلم . وحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتى المزدلفة " إلى آخره رواه مسلم بلفظه وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمزدلفة تلك الليلة بين المغرب والعشاء من رواية جماعات من الصحابة ، منهم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو أيوب [ ص: 145 ] الأنصاري وأسامة بن زيد وجابر ، وكل رواياتهم في صحيح البخاري ومسلم إلا جابرا ففي مسلم خاصة . وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { المزدلفة كلها موقف ، وارتفعوا عن بطن محسر } فرواه البيهقي بإسناد فيه ضعف ، وقد ذكرناه قريبا في المسألة السادسة في مذاهب العلماء جابر { نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف . ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف } رواه مسلم . وجمع هي المزدلفة وسنوضحه إن شاء الله تعالى . وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات فصحيح ، رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح ، وهو على شرط مسلم من رواية عبد الله بن عباس عن أخيه الفضل بن عباس . ورواه النسائي وابن ماجه بإسنادين صحيحين ، إسناد النسائي على شرط مسلم ، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقا ، وظاهر روايتهما أنه عبد الله بن عباس لا الفضل ، وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف في مسند عبد الله بن عباس ، ولم يذكره في مسند الفضل ، والجميع صحيح كما ذكرناه فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي ، وأرسله في روايتي النسائي وابن ماجه ، وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه ، فإذا عرف فأولى بالاحتجاج والاعتماد ، وقد عرف هنا أنه عن الفضل بن عباس فالحاصل أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس والله أعلم . وأما حديث عبد الله هو ابن مسعود { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها } إلى آخره ، فرواه البخاري ومسلم . وقوله " في الصبح قبل ميقاتها " أي قبل ميقاتها المعتاد في باقي الأيام وكانت هذه الصلاة عقب طلوع الفجر . [ ص: 146 ] وأما حديث جابر في الوقوف بالمشعر الحرام فرواه مسلم بلفظه الواقع هنا ، وهو بعض من حديث جابر الطويل . وأما حديث المسور بن مخرمة فرواه البيهقي بمعناه بإسناد جيد . وأما حديث عائشة في قصة سودة فرواه البخاري ومسلم . وأما حديث جابر الذي بعده في وادي محسر فرواه مسلم ، والله أعلم . ( وأما لغات الفصل وألفاظه ) فالمزدلفة بكسر اللام . قال الأزهري : سميت بذلك من التزلف والازدلاف ، وهو التقرب ; لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها . وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زلف من الليل أي ساعات ، وسميت المزدلفة جمعا - بفتح الجيم وإسكان الميم - سميت بذلك لاجتماع الناس بها .

                                      واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم . قال الأزرقي في تاريخ مكة والبندنيجي والماوردي صاحب الحاوي في كتابه الأحكام السلطانية وغيرهما من أصحابنا وغيرهم : حد المزدلفة ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة ، وليس الحدان منها ، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب القوابل والظواهر ، والجبال الداخلة في الحد المذكور . وأما وادي محسر فبضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة وبالراء ، سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه ، أي أعيا وكل عن السير ، ومنه قوله تعالى { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ووادي محسر موضع فاصل بين منى ومزدلفة ، وليس من واحدة منهما . قال الأزرقي : وادي محسر خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا . وأما منى فبكسر الميم ، ويجوز فيها الصرف وعدمه والتذكير والتأنيث ، والأجود الصرف . وجزم ابن قتيبة في أدب الكاتب بأنها [ ص: 147 ] لا تصرف ، وجزم الجوهري في الصحاح بأن منى مذكر مصروف . وقال العلماء : سميت منى لما يمنى فيها من الدماء ، أي يراق ويصب . هذا هو الصواب الذي جزم به الجمهور من أهل اللغة والتواريخ وغيرهم ونقل الأزرقي وغيره أنها سميت بذلك لأن آدم لما أراد مفارقة جبريل صلى الله عليه وسلم قال له : تمن ، قال : أتمنى الجنة . وقيل سميت بذلك من قولهم : منى الله الشيء أي قدره . فسميت منى ، لما جعل الله تعالى من الشعائر فيها . قال الجوهري : قال يونس : يقال امتنى القوم إذا أتوا منى ، وقال ابن الأعرابي يقال أمنى القوم أتوا منى . واعلم أن منى من الحرم وهي شعب ممدود بين جبلين ( أحدهما ) ثبير ( والآخر ) الصانع ، قال الأزرقي وأصحابنا في كتب المذهب : حد منى ما بين جمرة العقبة ووادي محسر ، وليست الجمرة ولا وادي محسر من منى . قال البندنيجي والأصحاب : ما أقبل على منى من الجبال فهو منها ، وما أدبر فليس منها . قال الأزرقي وغيره : ذرع ما بين جمرة العقبة ومحسر سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع ، قال الأزرقي : وعرض منى من مؤخر المسجد الذي يلي الجبال إلى الجبل بحذائه ألف ذراع وثلاثمائة ذراع ، ومن جمرة العقبة إلى الجمرة الوسطى أربعمائة ذراع وسبع وثمانون ذراعا ونصف ذراع ، ومن الجمرة الوسطى إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف ثلاثمائة ذراع وخمسة أذرع ، ومن الجمرة التي تلي مسجد الخيف إلى أوسط أبواب المسجد ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا ، والله أعلم .

                                      واعلم أن بين مكة ومنى مسافة فرسخ ، هو ثلاثة أميال . ومن منى [ ص: 148 ] إلى مزدلفة فرسخ ، ومن مزدلفة إلى عرفات فرسخ ، وقال إمام الحرمين والرافعي : بين مكة ومنى فرسخان ، والصواب فرسخ فقط . كذا قاله الأزرقي والمحققون في هذا الفن . والله أعلم .

                                      وأما المشعر الحرام فبفتح الميم . هذا هو الصحيح المشهور . وبه جاء القرآن وهو المعروف في رواية الحديث . قال صاحب المطالع : ويجوز كسر الميم لكن لم يرد إلا بالفتح . وحكى الجوهري الكسر . ومعنى الحرام المحرم أي الذي يحرم فيه الصيد وغيره . فإنه من الحرم . ويجوز أن يكون معناه ذا الحرمة . واختلف العلماء في المشعر الحرام . هل هو المزدلفة كلها أم بعضها . وهو قزح خاصة . وسنوضح الخلاف فيه قريبا إن شاء الله تعالى . قال العلماء : سمي مشعرا لما فيه من الشعائر ، وهي معالم الدين وطاعة الله تعالى . قوله ( فإذا وجد فرجة ) وهي بضم الفاء وفتحها . ويقال فرج بلا هاء ثلاث لغات سبق بيانها في موقف الإمام والمأموم . وقوله " يسير العنق " بفتح النون وهو ضرب معروف من السير فيه إسراع يسير ، " والنص " بفتح النون وتشديد الصاد المهملة ، أكثر من العنق . قوله ( لأنه نسك مقصود في موضعه فكان واجبا كالرمي ) احترز عن الرمل والاضطباع فإنهما تابعان للطواف ، وكذا صلاة الطواف وتقبيل الحجر ونحوه ولكنه ينتقض بالمبيت بمنى ليلة التاسع ، وبطواف القدوم ، وبالخطب والتلبية قوله صلى الله عليه وسلم " القط لي حصى " هو بضم القاف قوله { ويصلي الصبح في أول الوقت ويقدمها أفضل تقديم } أي أكثر ما يمكنه من التقديم ، وهو أن يصليها أول طلوع الفجر ، قوله " وقف على قزح " هو بضم القاف وفتح الزاي وهو جبل معروف بالمزدلفة قوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم ركب القصواء ، هي بفتح القاف وإسكان الصاد وبالمد ، قال أهل اللغة : يقال شاة قصواء وناقة قصواء إذا قطع من أذنها شيء لا يجاوز الربع ، فإن جاوز فهي عضباء ، قال العلماء : [ ص: 149 ] لم تكن ناقة النبي صلى الله عليه وسلم مقطوعا من أذنها شيء ، قال صاحب المطالع : قال الدراوردي إنما قيل لها القصواء لأنها كانت لا تكاد تسبق ، قال الجوهري يقال شاة قصواء وناقة قصواء ، ولا يقال جمل أقصى ، وإنما يقال مقصو ومقصي ، كما يقال امرأة حسناء ، ولا يقال رجل أحسن ، وكان يقال لهذه الناقة : القصواء والقصي والجدعا قال العلماء : هي اسم لناقة واحدة وقيل : هن ثلاث والله أعلم .

                                      قوله " رقي على المشعر " هو بكسر القاف ، وسبق بيانه قريبا . قوله " حتى أسفر جدا " هو بكسر الجيم ، وهو منصوب بفعل محذوف أي جيد ، ومعناه إسفارا ظاهرا . قوله " امرأة ثبطة " هي بثاء مثلثة مفتوحة ثم باء موحدة ساكنة أي ثقيلة البدن جسيمة ، والله أعلم .

                                      ( أما الأحكام ) ففيها مسائل ( إحداها ) وهي مقدمة لما بعدها في بيان حديث علي رضي الله عنه الذي سبق الوعد به ، وهو ما رواه عبد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال { وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال : هذه عرفة ، وهو الموقف ، وعرفة كلها موقف ، ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم ويقول : أيها الناس عليكم السكينة ، ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين جميعا ، فلما أصبح أتى قزح ووقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف ، وجمع كلها موقف ، ثم أفاض حتى انتهى إلى وادي محسر فقرع ناقته فخبت حتى جاز الوادي فوقف وأردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها ، ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر ، واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت : إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه ، قال : حجي عن أبيك ، ولوى عنق الفضل ، فقال العباس : يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما . وأتاه [ ص: 150 ] رجل فقال : يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق أو أقصر . قال احلق ولا حرج . قال : وجاء آخر فقال : يا رسول الله ذبحت قبل أن أرمي ، قال ارم ولا حرج ، قال ثم أتى البيت فطاف به ثم أتى زمزم فقال : يا بني عبد المطلب لولا أن يغلبكم عليه الناس لنزعته } رواه الترمذي بهذا اللفظ وقال هو حديث حسن صحيح . ورواه أبو داود مختصرا وفي روايته { والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت إليهم } . ( الثانية ) السنة للإمام إذا غربت الشمس وتحقق غروبها أن يفيض من عرفات ، ويفيض الناس معه ، وأن يؤخر صلاة المغرب بنية الجمع إلى العشاء ، ويكثر كل واحد منهم من ذكر الله تعالى والتلبية لقوله تعالى { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله } { كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا } .

                                      ( الثالثة ) السنة أن يسلك في ذهابه إلى المزدلفة على طريق المأزمين ، وهو بين العلمين اللذين هما حد الحرم من تلك الناحية ، والمأزم بهمزة بعد الميم وكسر الزاي هو الطريق بين الجبلين ، وقد نص الشافعي في المختصر والمصنف في التنبيه وجميع الأصحاب على أنه يسن الذهاب إلى المزدلفة على طريق المأزمين ، لا على طريق ضب . وعجب إهمال المصنف هذه المسألة هنا مع شهرتها . وذكره لها في التنبيه مع الحاجة إليها . وقد ثبت معناه في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد رضي الله عنهما .



                                      ( الرابعة ) السنة أن يسير إلى المزدلفة وعليه السكينة والوقار على عادة سيره ، سواء كان راكبا أو ماشيا ، ويحترز عن إيذاء الناس في المزاحمة ، فإن وجد فرجة فالسنة الإسراع فيها لما ذكره المصنف ، ولا بأس بأن يتقدم الناس على الإمام أو يتأخروا عنه ، لكن من أراد الصلاة مع الإمام فينبغي أن يكون قريبا منه



                                      ( الخامسة ) السنة أن يؤخروا صلاة المغرب ويجمعوا بينهما وبين [ ص: 151 ] العشاء في المزدلفة في وقت العشاء . هكذا أطلق استحباب تأخير المغرب والعشاء إلى المزدلفة جمهور الأصحاب لما ذكره المصنف ، وقالت طائفة من أصحابنا : يؤخرهما إلى المزدلفة ما لم يخش فوت وقت الاختيار للعشاء ، وهو ثلث الليل في أصح القولين ونصفه في الآخر ، فإن خافه لم يؤخر بل يجمع بالناس في الطريق وممن قال بهذا التفصيل الدارمي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد وصاحبا الشامل والعدة وصاحب البيان وآخرون ، ونقله أبو الطيب في تعليقه عن نص الشافعي ، ونقله صاحبا الشامل والبيان عن نصه في الإملاء ، ولعل إطلاق الأكثرين محمول على ما لم يخش فوت وقت الاختيار ليتفق قولهم مع نص الشافعي ، وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة والله تعالى أعلم .

                                      قال الشافعي والأصحاب : السنة إذا وصلوا مزدلفة أن يصلوا قبل حط رحالهم وينيخ كل إنسان جمله ويعقله ثم يصلون ، لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء المزدلفة توضأ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا } رواه البخاري ومسلم . وفي رواية لمسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حتى جئنا المزدلفة فأقام المغرب ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا } . قال الشافعي : ولو ترك الجمع بينهما وصلى كل واحدة في وقتها أو جمع بينهما في وقت المغرب أو جمع وحده لا مع الإمام أو صلى إحداهما مع الإمام والأخرى وحده جامعا بينهما ، أو صلاهما في عرفات أو في الطريق قبل المزدلفة جاز وفاتته الفضيلة . وإن جمع في المزدلفة في وقت العشاء أقام لكل واحدة منهما ولا يؤذن للثانية . وفي الأذان للأولى الأقوال الثلاثة [ ص: 152 ] فيمن جمع في سائر الأسفار في وقت الثانية والأصح أن يؤذن ، وقد سبقت المسألة واضحة في باب الأذان .

                                      واعلم أن هذا الجمع ثابت بالأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين ، وأحاديثه مشهورة في الصحيحين ، فممن روى في صحيحي البخاري ومسلم { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالمزدلفة تلك الليلة بين المغرب والعشاء } عبد الله بن مسعود وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وأسامة بن زيد . ورواه مسلم أيضا من رواية جابر في حديثه الطويل والترمذي من رواية علي وهو صحيح كما سبق والله أعلم ( السادسة ) إذا وصلوا مزدلفة وحلوا باتوا بها ، وهذا المبيت نسك بالإجماع ، لكن هو واجب أو سنة ؟ فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) واجب ( والثاني ) سنة . وحكى الرافعي فيه ثلاثة طرق ( أصحها ) قولان كما ذكرنا ( والثاني ) القطع بالإيجاب ( والثالث ) بالاستحباب ، فإن تركه أراق دما ، فإن قلنا المبيت واجب فالدم لتركه واجب وإلا فسنة ، وعلى القولين ليس بركن ، فلو تركه صح حجه . هذا هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به جمهور الأصحاب وجماهير العلماء .

                                      وقال إمامان من أصحابنا : هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات ، قاله أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، فأما ابن بنت الشافعي فهو مشهور عنه ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، والماوردي وغيرهما ، وحكاه الرافعي عنه وعن ابن خزيمة ، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه والمذهب أنه ليس بركن ، وأنه واجب فيجب الدم بتركه ثم الصحيح المنصوص في الأم أن هذا المبيت يحصل بالحضور في مزدلفة في ساعة من النصف الثاني من الليل ، وبهذا قطع جمهور العراقيين وأكثر الخراسانيين ، وفي قول ضعيف [ ص: 153 ] يحصل أيضا بساعة في النصف الثاني أو ساعة قبل طلوع الشمس حكاه أبو علي البندنيجي عن نصه في القديم والإملاء . وحكى إمام الحرمين عن نقل شيخه أبي محمد وصاحب التقريب في قدر الواجب من المبيت قولين ( أظهرهما ) معظم الليل ( والثاني ) الحضور حال طلوع الفجر . وهذا النقل غريب وضعيف ، وقطع صاحب الحاوي بأنه لو دفع من عرفات ولم يحصل بمزدلفة إلا بعد نصف الليل لزمه دم ، قال لأنه لم يحضر فيها إلا أقل الليل ، وهذا الحكم والدليل ضعيفان ، والمذهب ما سبق . واتفق أصحابنا ، ونصوص الشافعي على أنه لو دفع من مزدلفة بعد نصف الليل أجزأه ، وحصل المبيت ، ولا دم عليه بلا خلاف ، وهذا مما يرد نقل إمام الحرمين ، فإنهم لا يصلون بمزدلفة غالبا إلا قرب ربع الليل أو نحوه ، فإذا دفع عقب نصف الليل لم يكن قد حضر معظم الليل بمزدلفة وقد اتفقوا على أنه يجزئه ، قال أصحابنا : وسواء كان الدفع بعد نصف الليل لعذر أم لغيره فإنه يجزئه المبيت ، واتفقوا على أنه لو دفع قبل نصف الليل بيسير ولم يعد إلى المزدلفة ، فقد ترك المبيت ، فلو دفع قبل نصف الليل وعاد إليها قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء عليه بلا خلاف ، والله أعلم .

                                      وهذا الذي ذكرناه من وجوب الدم بترك المبيت من أصله إذا قلنا . المبيت واجب هو فيمن تركه بلا عذر . أما من انتهى إلى عرفات ليلة النحر ، واشتغل بالوقوف عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه باتفاق الأصحاب . وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين . ولو أفاض من عرفات إلى مكة وطاف الإفاضة بعد نصف ليلة النحر ففاته المبيت بالمزدلفة بسبب الطواف : قال صاحب التقريب والقفال : لا شيء عليه لأنه اشتغل بركن فأشبه المشتغل بالوقوف . وحكى إمام الحرمين هذا ثم قال : وهذا محتمل عندي لأن المنتهي إلى عرفات في الليل مضطر إلى التخلف عن المبيت ، وأما الطواف فيمكن تأخيره فإنه لا يفوت . والله أعلم . [ ص: 154 ] فرع ) يحصل هذا المبيت بالحضور في أية بقعة كانت من مزدلفة . والعمدة في دليله أنه يصدق عليه اسم مزدلفة . وأما الحديث الذي احتج به المصنف فلا دلالة فيه لما ذكره . لأنه إنما ورد في الوقوف بالمشعر الحرام بعد الصبح لا في المبيت . وقد سبق بيانه . وعجب كيف استدل به المصنف وقد سبق تحديد المزدلفة في أول الفصل .



                                      ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب : ويستحب أن يبقى بالمزدلفة حتى يطلع الفجر للأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيح { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بات بها حتى طلع الفجر } .



                                      ( السابعة ) يستحب أن يغتسل بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام وللعيد ، ولما فيها من الاجتماع ، فإن عجز عن الماء تيمم كما سبق وهذه الليلة ليلة عظيمة جامعة لأنواع من الفضل ( منها ) شرف الزمان والمكان ; فإن المزدلفة من الحرم كما سبق ، وانضم إلى هذا جلالة أهل المجمع الحاضرين بها وهم وفد الله تعالى ومن لا يشقى بهم جليسهم ، فينبغي أن يعنى الحاضر هناك بإحيائها بالعبادة من صلاة أو تلاوة وذكر ودعاء وتضرع ، ويتأهب بعد نصف الليل للاغتسال أو الوضوء ، ويحصل حصاة الجمار وتهيئة متاعه .



                                      ( الثامنة ) قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يأخذ من المزدلفة سبع حصيات لرمي جمرة العقبة يوم النحر ، والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها شيء ، وهل يستحب أن يأخذ مع ذلك لرمي أيام التشريق ؟ فيه وجهان ( أحدهما ) يستحب وهو ظاهر نص الشافعي في المختصر ، وبه قطع ابن القاص في المفتاح والقاضي حسين في تعليقه والبغوي . فعلى هذا يأخذ سبعين حصاة ، سبعا لجمرة العقبة يوم النحر ، وثلاثا وستين لأيام التشريق ( والثاني ) وهو المشهور لا يأخذ إلا سبع حصيات لجمرة العقبة ، وبهذا قطع المصنف والشيخ أبو حامد والصيمري والماوردي والقاضي [ ص: 155 ] أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والمحاملي في كتبه الثلاثة المجموع والتجريد والمقنع وصاحبا الشامل والبيان والجمهور ، وهو المنصوص في الأم ، ونقله الشيخ أبو حامد وغيره عن نصه في الأم . وكذا نقله الرافعي عن الجمهور . قال : ونقلوه عن نصه . قال : وجعلوه بيانا لما أطلقه في المختصر . قال وجمع ما بين الكلامين بعضهم فقال : يستحب الأخذ للجميع ، لكن ليوم النحر أشد استحبابا هذا كلامه . وهذا الوجه القائل بالجمع بين الكلامين غريب ضعيف مخالف لنصه في الأم ولصريح كلام الأصحاب . وقد صرح الصيمري والماوردي بأنه لا يأخذ زيادة على سبع حصيات والله أعلم .

                                      ( فرع ) قال جمهور الأصحاب : يأخذون الحصى من المزدلفة في الليل لئلا يشتغلوا بالنهار بتحصيله . وخالفهم البغوي فقال : يأخذونه بعد صلاة الصبح . والمذهب الأول .

                                      ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب : يستحب أن يكون أخذ الحصى من المزدلفة قال الماوردي قال قوم يأخذها من المأزمين والصواب الأول قال الشافعي والأصحاب : ومن أي موضع أخذها أجزأه . لكن يكره من أربعة مواضع . المسجد والحل والموضع النجس ومن الجمار التي رماها هو وغيره . لأنه روي عن ابن عباس موقوفا ، وعن أبي سعيد الخدري موقوفا ومرفوعا ، وعن ابن عمر مرفوعا { أن ما تقبل منها رفع وما لم يقبل ترك . ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين } قال البيهقي : المرفوعان ضعيفان . وكره بعض أصحابنا أخذها من جميع منى لانتشار ما رمي فيها ولم يتقبل . قال الشافعي والأصحاب : ولو رمى بكل ما كرهناه أجزأه . ولنا وجه ضعيف شاذ أنه إذا رمى حصاة ثم أخذها ورماها هو في تلك الجمرة في ذلك اليوم لا يجزئه . ووافق هذا القائل على أنه لو اختلف الشخص أو الزمان [ ص: 156 ] أو المكان أجزأه الرمي بالمرمي بلا خلاف . وهذا الوجه ضعيف جدا لأنه يسمى رميا . والله أعلم .



                                      ( فرع ) اتفق أصحابنا على أنه يستحب أن لا يكسر الحصى بل يلتقطه . ونص عليه الشافعي { لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتقاط الحصيات له } وقد سبق بيان هذا الحديث . وقد ورد نهي في الكسر هاهنا . ولأنه قد يفضي إلى الأذى .

                                      ( فرع ) قال الشافعي : ولا أكره غسل حصى الجمار ، بل لم أزل أعمله وأحبه . هذا نصه ، قال أصحابنا : غسله مستحب حتى قال البغوي يستحب غسله وإن كان طاهرا .

                                      ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب : السنة أن يكون الحصى صغارا بقدر حصى الخذف لا أكبر ولا أصغر ، ويكره بأكبر منه وسنوضحه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف في الفصل الذي بعد هذا



                                      ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب : السنة تقديم الضعفاء من النساء وغيرهن من مزدلفة قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل إلى منى ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس لحديث عائشة قالت { استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس ، وكانت امرأة ثبطة فأذن لها } رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه . وعن ابن عباس قال : { أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله } رواه البخاري ومسلم وعن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع ، فمنهم من يقوم بمنى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، { وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه البخاري ومسلم [ ص: 157 ] وعن عبد الله مولى أسماء { أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة ، فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت : يا بني هل غاب القمر ؟ قلت : لا ، فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر ؟ قلت ، نعم . قالت : فارتحلوا ، فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها ، فقلت لها : ما أرانا إلا قد غلسنا قالت يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن } رواه البخاري ومسلم . وعن أم حبيبة { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل } رواه مسلم ، وفي المسألة أحاديث صحيحة سوى ما ذكرته والله أعلم . هذا حكم الضعفة فأما غيرهم فيمكثون بمزدلفة حتى يصلوا الصبح بها كما سبق بيانه والله أعلم .



                                      ( التاسعة ) قال الشافعي والأصحاب : السنة إذا طلع الفجر أن يبادر الإمام والناس بصلاة الصبح في أول وقتها ، قالوا : والمبالغة في التبكير بها في هذا اليوم آكد من باقي الأيام ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم للحديث الذي ذكره المصنف ، وليتسع الوقت لوظائف هذا اليوم من المناسك ، فإنها كثيرة في هذا اليوم ، فليس في أيام الحج أكثر عملا منه والله أعلم



                                      ( العاشرة ) السنة أن يرتحلوا بعد صلاة الصبح من موضع مبيتهم متوجهين إلى المشعر الحرام ، وهو قزح بضم القاف وفتح الزاي وبالحاء المهملة وبالمزدلفة ، وهو آخر المزدلفة ، وهو جبل صغير ، فإذا وصله صعده إن أمكنه وإلا وقف عنده وتحته . ويقف مستقبل الكعبة فيدعو ويحمد الله تعالى ويكبره ويهلله ويوحده ، ويكثر من التلبية .

                                      استحب أصحابنا أن يقول : اللهم كما وقفتنا فيه وأريتنا إياه فوفقنا لذكرك كما هديتنا . واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك ، وقولك الحق { فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن [ ص: 158 ] كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } ويكثر من قوله : اللهم آتنا في الدنيا حسنة . وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار . ويدعو بما أحب ويختار الدعوات الجامعة والأمور المهمة ، ويكرر دعواته ، ودليل المسألة مذكور في الكتاب . وقد استبدل الناس بالوقوف على قزح الوقوف على بناء مستحدث في وسط المزدلفة وفي حصول أصل هذه السنة بالوقوف في ذلك المستحدث وغيره من مزدلفة مما سوى قزح وجهان .

                                      ( أحدهما ) لا يحصل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قزح وقد قال صلى الله عليه وسلم { لتأخذوا عني مناسككم } . ( والثاني ) وهو الصحيح بل الصواب أنها تحصل ، وبه جزم القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والرافعي وغيره ، لحديث جابر رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف } رواه مسلم وجمع هي المزدلفة ، والمراد وقفت على قزح وجميع المزدلفة موقف . لكن أفضلها قزح كما أن عرفات كلها موقف وأفضلها موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : والسنة أن يبقوا واقفين على قزح للذكر والدعاء إلى أن يسفر الصبح إسفارا جدا ، لحديث جابر السابق الذي ذكره المصنف ثم بعد الإسفار يدفعون إلى منى . قال الشافعي والأصحاب : ولو تركوا هذا الوقوف من أصله فاتهم الفضيلة ولا إثم عليهم . ولا دم كسائر الهيئات والسنن والله أعلم . قال القاضي حسين في تعليقه : ويكفي من أصل هذا الوقوف بقزح المذكور كما قلنا في الموقف بعرفات والله أعلم .

                                      ( الحادية عشر ) إذا أسفر الفجر فالسنة أن يدفع من المشعر الحرام [ ص: 159 ] متوجها إلى منى ويكون ذلك قبل طلوع الشمس . فإن دفع بعد طلوع الشمس فهو مكروه كراهة تنزيه ، كذا جزم به المصنف وشيخه أبو الطيب في كتابه المجرد وآخرون وقال الماوردي : هو خلاف السنة ولم يقل إنه مكروه ، وكذا مقتضى عبارة آخرين والله أعلم



                                      قال أصحابنا : ويدفع إلى منى وعليه السكينة والوقار . قال المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب وغيرهما : فإذا وجد فرجة أسرع كما سبق في الدفع من عرفات . ويكون شعاره في دفعه التلبية والذكر . وليتجنب الإيذاء في المزاحمة .



                                      فإذا بلغ وادي محسر استحب للراكب تحريك دابته قدر رمية حجر . ويستحب للماشي الإسراع قدر رمية حجر أيضا حتى يقطعا عرض الوادي وقد سبق ضبط وادي محسر وتحديده . قال أصحابنا وغيرهم : وليس وادي محسر من مزدلفة ولا من منى بل هو مسيل ما بينهما ، وهذا الذي ذكرنا من استحباب الإسراع في وادي محسر متفق عليه ، ولا خلاف فيه إلا وجها شاذا ضعيفا حكاه الرافعي أنه لا يستحب الإسراع للماشي وليس بشيء ودليل المسألة مذكور في الكتاب . قال أصحابنا : واستحب الإسراع فيه للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأن وادي محسر كان موقف النصارى فاستحبت مخالفتهم واستدلوا بما رواه البيهقي بإسناده عن المسور بن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوضع ويقول :

                                      إليك تعدو قلقا وضينها مخالفا دين النصارى دينها

                                      قال البيهقي : يعني الإيضاع في وادي محسر ، ومعنى هذا البيت أن ناقتي تعدو إليك يا رب مسرعة في طاعتك قلقا وضينها ، وهو الحبل الذي كالحزام ، وإنما صار قلقا من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد البالغ في طاعتك ، والمراد صاحب الناقة . وقوله " مخالفا دين النصارى دينها " بنصب دين النصارى ورفع دينها ، أي إني لا أفعل فعل النصارى ولا أعتقد [ ص: 160 ] اعتقادهم . قال القاضي حسين في تعليقه : يستحب للمار بوادي محسر أن يقول هذا الذي قاله عمر رضي الله عنه والله تعالى أعلم .

                                      وأما تقييد المصنف والأصحاب مسافة استحباب الإسراع في وادي محسر بقدر رمية حجر ، فيستدل له بما ثبت في موطأ مالك عن نافع أن ابن عمر " كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر " وقد سبق في حديث علي رضي الله عنه في المسألة الأولى من هذه المسائل { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى وادي محسر قرع راحلته فخبت حتى جاوز الوادي } والله أعلم .

                                      ( فرع ) ثم يخرج من وادي محسر سائرا إلى منى . قال أصحابنا : ويستحب أن يسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى العقبة لحديث جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بطن محسر فحرك قليلا ، ثم سلك الطريق التي تخرج إلى الجمرة الكبرى } رواه مسلم . ( فرع ) قد ذكرنا أن الإسراع في وادي محسر سنة ، وقد تظاهرت الأحاديث على ذلك ، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يقتضي خلافها ، فمن الأحاديث المثبتة للإسراع حديث جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المشعر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا } رواه مسلم وفي رواية للبيهقي بإسناد على شرط البخاري ومسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم أوضع في وادي محسر } . وعن علي رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من قزح حتى انتهى إلى وادي محسر ، فقرع ناقته فخبت حتى جاوز الوادي } رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

                                      وعن الفضل بن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المشعر الحرام حتى إذا بلغ محسرا أوضع شيئا } رواه البيهقي . وعن المسور بن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه [ ص: 161 ] كان يوضع ، قال وكان ابن الزبير يوضع أشد الإيضاع أخذه عن عمر " رواه البيهقي وقال : يعني الإيضاع في وادي محسر . وروى مالك في الموطأ عن نافع " أن ابن عمر كان يحرك راحلته في بطن محسر قدر رمية بحجر " وهذا صحيح عن ابن عمر رواه البيهقي أيضا عن عائشة ثم قال : ورويناه عن ابن مسعود وحسين بن علي رضي الله عنهم . وأما الأحاديث المعارضة فمنها عن ابن عباس قال { إنما كان بدء الإيضاع من أهل البادية كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا القعاب والعصي ، فإذا أفاضوا يقعقعون فأنفرت بالناس ، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ذفري ناقته ليمس حاركها وهو يقول : يا أيها الناس عليكم بالسكينة } رواه البيهقي ورواه الحاكم في المستدرك وقال هو حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه . وعن أسامة { أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه حين أفاض من عرفة فأفاض بالسكينة وقال : يا أيها الناس عليكم بالسكينة ، وقال : ليس البر بإيجاف الخيل والإبل فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى منى } رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ، فهذان الحديثان ظاهرهما مخالفة ما سبق ، والجواب عنهما من وجهين ( أحدهما ) أنه ليس فيهما تصريح بترك الإسراع في وادي محسر فلا يعارضان الصريح بإثبات الإسراع ( والثاني ) أنه لو صرح فيهما بترك الإسراع كانت رواية الإسراع أولى لوجهين .

                                      ( أحدهما ) أنها إثبات وهو مقدم على النفي ( والثاني ) أنها أكثر رواة وأصح أسانيد وأشهر فهي أولى ، والله أعلم .



                                      [ ص: 162 ] فرع ) في مذاهب العلماء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة أجمع العلماء على جواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت العشاء للمسافر ، فلو جمع بينهما في وقت المغرب أو في غير المزدلفة جاز . هذا مذهبنا وبه قال عطاء وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وسعيد بن جبير ومالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وأبو ثور وابن المنذر وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة ومحمد وداود وبعض أصحاب مالك : لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة ولا قبل وقت العشاء ، والخلاف مبني على أن جمعهم بالنسك أم بالسفر ؟ فعندنا بالسفر ، وعند أبي حنيفة بالنسك .

                                      ( فرع ) في مذاهبهم في الأذان إذا جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة قد ذكرنا أن الأصح في مذهبنا أنه يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة ، وبه قال أحمد في رواية ، وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي وقال مالك : يصليهما بأذانين وإقامتين ، وهو مذهب ابن مسعود . قال ابن المنذر وروي هذا عن عمر ، وقال عبد الله بن عمر وابنه سالم والقاسم بن محمد وإسحاق وأحمد في رواية يصليهما بإقامتين وقال ابن عمر في رواية صحيحة عنه وسفيان الثوري : يصليهما بإقامة واحدة ، والله أعلم .

                                      دليلنا حديث جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بأذان وإقامتين } رواه مسلم ، وسبقت المسألة بأدلتها مستوفاة في باب الأذان .



                                      ( فرع ) في مذاهبهم في المبيت بمزدلفة ليلة النحر . قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه ليس بركن ، فلو تركه صح . [ ص: 163 ] حجه . قال القاضي أبو الطيب وأصحابنا : وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، وقال خمسة من أئمة التابعين : هو ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات ، هذا قول علقمة والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري ، وبه قال من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر بن خزيمة . واحتج لهم بقوله تعالى { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } وبالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته الحج } .

                                      واحتج أصحابنا بحديث عروة بن مضرس السابق في فضل الوقوف بعرفات وهو حديث صحيح كما سبق ، وأجابوا عن الآية بأن المأمور به فيها إنما هو الذكر وليس هو بركن بالإجماع . وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين ( أحدهما ) أنه ليس بثابت ولا معروف ( والثاني ) أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج لا فوات أصله .



                                      ( فرع ) قد ذكرنا أن السنة عندنا أن يبقى بمزدلفة حتى يطلع الفجر إلا الضعفة ، فيستحب لهم الدفع قبل الفجر ، فإن دفع غير الضعفة قبل الفجر بعد نصف الليل جاز ولا دم . هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد . وقال أبو حنيفة : لا يجوز الدفع قبل طلوع الفجر فإن دفع قبل الفجر لزمه دم واحتج أصحابنا عليه بالأحاديث الصحيحة السابقة في دفع النساء والضعفة ( فإن قيل ) إنما أرخص في الدفع قبل الفجر للضعفة ( قلنا ) لو كان حراما لما اختلف بالضعفة وغيرهم



                                      ( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يقف بعد صلاة الصبح على قزح ولا يزال واقفا به يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا ، وبه قال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة وجماهير العلماء . قال ابن المنذر : وهو قول عامة العلماء غير مالك ، فإنه كان يرى أن يدفع منه قبل الإسفار . دليلنا حديث جابر السابق الذي ذكره المصنف ، وهو صحيح .

                                      [ ص: 164 ] فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإسراع في وادي محسر ، وذكرنا الأحاديث الصحيحة فيه ، وقد نقله ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير ، قال : وتبعهم عليه أهل العلم ، وقد قدمنا عن ابن عباس خلاف هذا ، والله أعلم .




                                      الخدمات العلمية