الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الثالث

في موجبات الخيار في النكاح .

- وموجبات الخيار أربعة : العيوب ، والإعسار بالصداق أو بالنفقة والكسوة ، والثالث : الفقد : ( أعني : فقد الزوج ) . والرابع : العتق للأمة المزوجة . فينعقد في هذا الباب أربعة فصول :

[ ص: 434 ] الفصل الأول

في خيار العيوب

- اختلف العلماء في موجب الخيار بالعيوب لكل واحد من الزوجين ، وذلك في موضعين :

أحدهما : هل يرد بالعيوب أو لا يرد ؟ .

والموضع الثاني : إذا قلنا إنه يرد فمن أيها يرد ، وما حكم ذلك ؟ .

فأما الموضع الأول : فإن مالكا ، والشافعي وأصحابهما قالوا : العيوب توجب الخيار في الرد أو الإمساك . وقال أهل الظاهر : لا توجب خيار الرد والإمساك ، وهو قول عمر بن عبد العزيز .

وسبب اختلافهم شيئان : أحدهما : هل قول الصاحب حجة ، والآخر : قياس النكاح في ذلك على البيع ؟ .

فأما قول الصاحب الوارد في ذلك : فهو ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص ) وفي بعض الروايات : ( أو قرن فلها صداقها كاملا ، وذلك غرم لزوجها على وليها ) .

وأما القياس على البيع : فإن القائلين بموجب الخيار للعيب في النكاح ، قالوا : النكاح في ذلك شبيه بالبيع . وقال المخالفون لهم : ليس شبيها بالبيع لاجتماع المسلمين على أنه لا يرد النكاح بكل عيب ، ويرد به البيع .

وأما الموضع الثاني في الرد بالعيوب : فإنهم اختلفوا في أي العيوب يرد بها ، وفي أيها لا يرد ، وفي حكم الرد ؟ .

فاتفق مالك ، والشافعي على أن الرد يكون من أربعة عيوب : الجنون والجذام والبرص وداء الفرج الذي يمنع الوطء : إما قرن أو رتق في المرأة أو عنة في الرجل أو خصاء .

واختلف أصحاب مالك في أربع : في السواد ، والقرع ، وبخر الفرج ، وبخر الفم ، فقيل ترد بها ، وقيل لا ترد .

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا ترد المرأة في النكاح إلا بعيبين فقط : القرن والرتق .

فأما أحكام الرد فإن القائلين بالرد اتفقوا على أن الزوج إذا علم بالعيب قبل الدخول طلق ولا شيء عليه .

واختلفوا إن علم بعد الدخول والمسيس . فقال مالك : إن كان وليها الذي زوجها ممن يظن به لقربه منها أنه عالم بالعيب مثل الأب والأخ فهو غار يرجع عليه الزوج بالصداق ، وليس يرجع على المرأة بشيء ، وإن كان بعيدا رجع الزوج على المرأة بالصداق كله إلا ربع دينار فقط . وقال الشافعي : إن دخل لزمه الصداق كله بالمسيس ولا رجوع له عليها ولا على ولي .

وسبب اختلافهم : تردد تشبيه النكاح بالبيع ، أو بالنكاح الفاسد الذي وقع فيه المسيس ( أعني : اتفاقهم على وجوب المهر في الأنكحة الفاسدة بنفس المسيس ) لقوله عليه الصلاة والسلام : " أيما امرأة نكحت بغير إذن سيدها فنكاحها باطل ، ولها المهر بما استحل منها " . فكان موضع الخلاف : تردد هذا الفسخ بين [ ص: 435 ] حكم الرد بالعيب في البيوع ، وبين حكم الأنكحة المفسوخة ( أعني : بعد الدخول ) .

واتفق الذين قالوا بفسخ نكاح العنين أنه لا يفسخ حتى يؤجل سنة يخلى بينه وبينها بغير عائق .

واختلف أصحاب مالك في العلة التي من أجلها قصر الرد على هذه العيوب الأربعة : فقيل لأن ذلك شرع غير معلل . وقيل : لأن ذلك مما يخفى ، ومحمل سائر العيوب على أنها مما لا تخفى . وقيل : لأنها يخاف سرايتها إلى الأبناء ، وعلى هذا التعليل يرد بالسواد والقرع ، وعلى الأول يرد بكل عيب إذا علم أنه مما خفي على الزوج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث