الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب القسمة ) .

مناسبة القسمة بالشفعة من حيث إن كلا منهما من نتائج النصيب الشائع لما أن أقوى أسباب الشفعة الشركة فأحد الشريكين إذا أراد الافتراق مع بقاء ملكه طلب القسمة ومع عدم البقاء باع فوجب عنده الشفعة وقدم الشفعة لأن بقاء ما كان على ما كان أصل وهنا يحتاج إلى معرفة شرعية القسمة وتفسيرها وركنها وشرطها وحكمها وسببها ودليلها .

أما دليل المشروعية فهو قوله تعالى { ونبئهم أن الماء قسمة بينهم } وقوله تعالى { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } ومن السنة ما روي أنه عليه الصلاة والسلام { فتح خيبر وقسمها بين الغانمين } وعليه إجماع الأمة ، وأما تفسيرها لغة فهو عبارة عن الاقتسام كالقدرة للاقتدار والأسوة للاتساء ، وأما شرعا فسيذكرها المؤلف .

وأما ركنها فالفعل الذي يقع به الإقرار ، وأما شرطها فمتاع لا تتبدل منفعته بالقسمة ولا يفوت ، وأما حكمها فتعين نصيب كل واحد منهما من نصيب الآخر ملكا وانتفاعا ، وسببها طلب كل واحد من الشريكين الانتفاع بنصيبه على الخصوص ، وأما محاسنها أن أحد الشريكين يحصل له من صاحبه سوء الخلق وضيق الفطن وقوة الرأس وليس له مخرج من هذه الأمور إلا الركون إلى الاقتسام ، وأما صفتها فهي واجبة على الحاكم عند طلب بعض الشركاء قال رحمه الله : ( هي جمع نصيب شائع في معين ) هذا معناه شرعا لأن ما من جزء معين إلا وهو مشتمل على النصيبين فكان ما يقبضه كل واحد منهما نصفه قال رحمه الله : ( وتشتمل على الإفراز والمبادلة وهو الظاهر في المثلي فيأخذ حظه حال غيبة صاحبه وهي في غيره فلا يأخذ ) يعني : القسمة تشتمل على تمييز الحقوق والمبادلة ، والتمييز هو الظاهر من ذوات الأمثال حتى كان لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه ، والمبادلة هي الظاهرة في غير المثلي كالثياب والعقار والحيوان حتى لا يأخذ نصيبه حال غيبة صاحبه ، وإن كان معنى الإفراز ظاهرا في المثلي لأن ما يأخذ كل واحد منهما مثل حقه صورة ومعنى فأمكن أن يجعل عين [ ص: 168 ] حقه في القرض والصرف والسلم لأنه لو كان مبادلة لما صح في القرض قبض للافتراق قبل أحد العوضين ولا في الصرف والسلم لحرمة الاستبدال فيهما قال في النهاية : فإن قلت : ليس أن محمدا ذكر كتاب القسمة إذا كان وصي الذمي مسلما ، وفي التركة خمور أنه يكره قسمتهما ولو كان الرجحان في هذه القسمة للإفراز ينبغي أن يجوز من غير كراهة فإن الذمي إذا وكل مسلما أن يقبض خمرا له جاز قبضها من غير كراهة . ،

قلت : ذكر شمس الأئمة الحلواني إذا كان في التركة خمور لا يكره للوصي المسلم قسمتها لأن هذا إفراز محض ليس فيه شبهة المبادلة ، وإنما تكره القسمة إذا كان مع الخمر الخنازير لأن القسمة حينئذ تكون مبادلة ، وغيره من المشايخ قالوا : لا بل يكره قسمة الخمور وحدها لأن العمل بالشبهين في قسمة الخمور وحدها يمكن بإثبات الكراهة ، ومعنى الكراهة هنا هو ما بين الحلال المطلق والحرام المحض ، وإنما كان معنى المبادلة في غير المثلي أظهر للتفاوت فلا يمكن أن يجعل كأنه أخذ عين حقه لعدم المعادلة بينهما بيقين ولو اشترى دارا فاقتسماها لا يبيع أحدهما نصيبه مرابحة بعد القسمة ولك أن تقول : إن القسمة لا تعرى عن معنى الإفراز والمبادلة في جميع الصور ، سواء كانت في ذوات الأمثال أو في غيره لأنها بالنظر إلى البعض إفراز وبالنظر إلى البعض الآخر مبادلة ، وإذا كان كذلك فغاية الأمر أن البعض الذي يأخذه كل منهما عوض مما في يد صاحبه وليس بمثل له بيقين فلم يتحقق معنى الإفراز فيه بالنظر إلى ذلك البعض فلا يلزم منه أن لا يتحقق الإفراز فيه بالنظر إلى البعض الآخر وهو كونه بعض حقه في الجملة فثبتت المساواة بين المبادلة والإفراز غير أن الظهور للمبادلة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث