الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


25 [ ص: 291 ] ( 6 ) باب النوم عن الصلاة

23 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من خيبر ، أسرى . حتى إذا كان من آخر الليل ، عرس . وقال لبلال : " اكلأ لنا الصبح " . ونام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وكلأ بلال ما قدر له ، ثم استند إلى راحلته وهو مقابل الفجر فغلبته عيناه ، فلم يستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بلال ، ولا أحد من الركب ، حتى ضربتهم الشمس . ففزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال بلال : يا رسول الله ! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك .

[ ص: 292 ] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اقتادوا " . فبعثوا رواحلهم ، واقتادوا شيئا ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأقام الصلاة ، فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح . ثم قال حين قضى الصلاة : " من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : " وأقم الصلاة لذكري "
( طه : 14 ) .

التالي السابق


639 - هذا الحديث مرسل في الموطأ عند جميع رواته فيما علمت .

640 - وقد ذكرت في " التمهيد " من تابع مالكا ، عن ابن شهاب من أصحابه في إرساله ، ومن وصله فأسنده .

[ ص: 293 ] 641 - وذكرت هناك من روى عن النبي - عليه السلام - من أصحابه : نومه عن الصلاة في سفره ، فإنه روي عنه من وجوه ذكرتها في حديث زيد بن أسلم من " التمهيد " .

642 - وقول ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قفل من خيبر أسرى - أصح من قول من قال : إن ذلك كان مرجعه من غزاة حنين .

643 - وفي حديث ابن مسعود : أن نومه ذلك كان عام الحديبية ، وذلك في زمن خيبر .

644 - وكذلك قال ابن إسحاق ، وأهل السير : إن نومه عن الصلاة كان حين قفوله من خيبر .

645 - والقفول : الرجوع من السفر ، ولا يقال : قفل إذا سار مبتدئا .

646 - قال صاحب العين : قفل الجيش قفولا وقفلا : إذا رجعوا ، وقفلتهم أنا هكذا ، وهو القفول ، والقفل .

[ ص: 294 ] 647 - وخروج الإمام بنفسه في الغزوات من السنن ، وكذلك إرساله السرايا ، كل ذلك سنة مسنونة .

648 - والسرى : سير الليل ومشيه ، وهي لفظة مؤنثة ، وسرى وأسرى : لغتان قرئ بهما ، ولا يقال لسير النهار : سرى . ومنه المثل السائر : عند الصباح يحمد القوم السرى .

649 - والتعريس : نزول آخر الليل ، ولا تسمي العرب نزول أول الليل تعريسا .

650 - وقوله : اكلأ لنا الصبح ، أي ارقب لنا الصبح ، واحفظ علينا وقت صلاته .

651 - وأصل الكلء : الحفظ ، والمنع ، والرعاية ، وهي لفظة مهموزة . قال الله تعالى : " قل من يكلؤكم بالليل والنهار " ( الأنبياء : 42 ) أي : يحفظكم .

652 - ومنه قول ابن هرمة :

[ ص: 295 ]

إن سليمى والله يكلؤها



653 - وفي هذا الحديث إباحة المشي على الدواب بالليل ، وذلك على قدر الاحتمال ، ولا ينبغي أن يصل المشي عليها ليلا ونهارا ، وقد أمر - عليه السلام - بالرفق بها ، وأن ينجى عليها بنقيها .

[ ص: 296 ] 654 - وفيه أمر الرفيق بما خف من الخدمة والعون في السفر ، وذلك محمول على العرف في مثله .

655 - وإنما قلنا : بالرفيق ، ولم نقل بالمملوك ; لأن بلالا كان حرا يومئذ قد كان أبو بكر أعتقه بمكة ، وكانت خيبر سنة ست من الهجرة .

656 - وقد أوضحنا في " التمهيد " معنى نوم النبي - عليه السلام - [ ص: 297 ] عن صلاته في سفره حتى طلعت الشمس مع قوله - عليه السلام - : " إن عيني تنامان ولا ينام قلبي " .

[ ص: 298 ] 657 - والنكتة في ذلك أن الأنبياء - عليهم السلام - تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ; ولذلك كانت رؤيا الأنبياء وحيا ، وكذلك قال ابن عباس : رؤيا الأنبياء وحي ، وتلا " افعل ما تؤمر " .

658 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال : " إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " .

659 - وقد ذكرنا الحديث بذلك في " التمهيد " .

[ ص: 299 ] 660 - وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم نبيه - عليه السلام - أنه قال لابنه : " إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر " ( الصافات : 102 ) .

661 - ونومه - عليه السلام - في سفره من باب قوله : " إني لأنسى أو أنسى لأسن " . فخرق نومه ذلك عادته - عليه السلام - ; ليسن لأمته .

662 - ألا ترى إلى قوله في حديث العلاء بن خباب : " لو شاء الله لأيقظنا ، ولكنه أراد أن تكون سنة لمن بعدكم " .

663 - وذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، عن عبيدة بن حميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن تميم بن أبي سلمة ، عن مسروق ، عن ابن عباس قال : " ما يسرني أن لي الدنيا بما فيها بصلاة النبي - عليه السلام - الصبح بعد طلوع الشمس " .

664 - وكان مسروق يقول ذلك أيضا .

665 - قرأت على عبد الوارث : أن قاسما حدثهم قال : حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا ابن الأصبهاني قال : حدثنا عبيدة بن حميد ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن تميم ، عن أبي سلمة ، عن مسروق ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فعرسوا من الليل ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس . قال : فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين " .

666 - قال ابن عباس : " فما يسرني بهما الدنيا وما فيها " يعني الرخصة .

[ ص: 300 ] 667 - قال أبو عمر : وذلك عندي - والله أعلم - لأنه كان سببا إلى أن علم أصحابه المبلغون عنه إلى سائر أمته أن مراد الله من عباده الصلاة ، وإن كانت مؤقتة ، أن من لم يصلها في وقتها فإنه يقضيها أبدا متى ما ذكرها : ناسيا كان لها ، أو نائما عنها ، أو متعمدا لتركها .

668 - ألا ترى أن حديث مالك في هذا الباب ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " .

669 - والنسيان في لسان العرب : يكون الترك عمدا ، ويكون ضد الذكر .

670 - قال الله - تعالى - : " نسوا الله فنسيهم " ( التوبة : 67 ) أي : تركوا طاعة الله تعالى ، والإيمان بما جاء به رسوله ، فتركهم الله من رحمته .

671 - وهذا مما لا خلاف فيه ، ولا يجهله من له أقل علم بتأويل القرآن .

672 - فإن قيل : فلم خص النائم والناسي بالذكر في قوله في غير هذا الحديث : " من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " ؟ .

673 - قيل : خص النائم والناسي ليرتفع التوهم والظن فيهما لرفع القلم في سقوط المأثم عنهما بالنوم والنسيان .

674 - فأبان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن سقوط الإثم عنهما غير مسقط لما لزمهما من فرض الصلاة ، وأنها واجبة عليهما عند الذكر لها ، يقضيها كل واحد منهما بعد خروج وقتها إذا ذكرها .

675 - ولم يحتج إلى ذكر العامد معهما ; لأن العلة المتوهمة في الناسي والنائم ليست فيه ، ولا عذر له في ترك فرض قد وجب عليه من صلاته إذا كان ذاكرا له .

[ ص: 301 ] 676 - وسوى الله - تعالى - في حكمه على لسان نبيه بين حكم الصلاة الموقوتة والصيام الموقوت في شهر رمضان - بأن كل واحد منهما يقضى بعد خروج وقته .

677 - فنص على النائم والناسي في الصلاة لما وصفنا ، ونص على المريض والمسافر في الصوم .



678 - وأجمعت الأمة ، ونقلت الكافة فيمن لم يصم رمضان عامدا وهو مؤمن بفرضه ، وإنما تركه أشرا وبطرا ، تعمد ذلك ، ثم تاب عنه - أن عليه قضاءه ، فكذلك من ترك الصلاة عامدا .

679 - فالعامد والناسي في القضاء للصلاة والصيام سواء ، وإن اختلفا في الإثم ، كالجاني على الأموال المتلف لها عامدا وناسيا ، إلا في الإثم ، وكان الحكم في هذا الشرع بخلاف رمي الجمار في الحج التي لا تقضى في غير وقتها لعامد ولا لناس ، فوجوب الدم فيها ينوب عنها ، وبخلاف الضحايا أيضا ; لأن الضحايا ليست بواجبة فرضا .

680 - والصلاة والصيام كلاهما فرض واجب ، ودين ثابت يؤدى أبدا ، وإن خرج الوقت المؤجل لهما .

681 - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دين الله أحق أن يقضى " [ ص: 302 ] 682 - وإذا كان النائم والناسي للصلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد خروج وقتها كان المتعمد لتركها المأثوم في فعله ذلك أولى بألا يسقط عنه فرض الصلاة ، وأن يحكم عليه بالإتيان بها ; لأن التوبة من عصيانه في تعمد تركها هي أداؤها ، وإقامة تركها مع الندم على ما سلف من تركه لها في وقتها .

683 - وقد شذ بعض أهل الظاهر ، وأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين ، فقال : ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها ; لأنه غير نائم ولا ناس .

684 - وإنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " .

685 - قال : والمتعمد غير الناسي والنائم .

686 - قال : وقياسه عليهما غير جائز عندنا ، كما أن من قتل الصيد ناسيا لا يجزئه عندنا .

687 - فخالفه في المسألة جمهور العلماء ، وظن أنه يستتر في ذلك برواية جاءت عن بعض التابعين ، شذ فيها عن جماعة المسلمين .

688 - وهو محجوج بهم ، مأمور باتباعهم .

689 - فخالف هذا الظاهر عن طريق النظر والاعتبار ، وشذ عن جماعة علماء الأمصار ، ولم يأت فيما ذهب إليه من ذلك بدليل يصح في العقول .

690 - ومن الدليل على أن الصلاة تصلى وتقضى بعد خروج وقتها كالصائم سواء - وإن كان إجماع الأمة الذين أمر من شذ منهم بالرجوع إليهم وترك الخروج . [ ص: 303 ] عن سبيلهم يغني عن الدليل في ذلك - قوله : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح " . ولم يخص متعمدا من ناس .

691 - ونقلت الكافة عنه - عليه السلام - أن من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل الغروب صلى تمام صلاته بعد الغروب ، وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع ، ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلها لمن تعمد أو نسي أو فرط ، وبين عمل بعضها في نظر ولا اعتبار .

692 - ودليل آخر وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظهر والعصر حتى غربت الشمس لشغله بما نصبه المشركون له من الحرب ولم يكن يومئذ ناسيا ولا نائما ، ولا كانت بين المسلمين والمشركين يومئذ حرب قائمة ملتحمة ، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر في الليل .

693 - ودليل آخر : وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق : " لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة فخرجوا [ ص: 304 ] متبادرين وصلى بعضهم العصر في ( طريق ) بني قريظة خوفا من خروج وقتها المعهود ، ولم يصلها بعضهم إلا في بني قريظة بعد غروب الشمس ، فلم يعنف رسول الله - عليه السلام - إحدى الطائفتين ، وكلهم غير ناس ولا نائم ، وقد أخر بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلاها ، وقد علم رسول الله ذلك . فلم يقل لهم : إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها ، ولا تقضى بعد خروج وقتها .

694 - ودليل آخر : وهو قوله - عليه السلام - : " سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها . قالوا : أفنصليها معهم ؟ قال : نعم " .

695 - حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال : حدثنا أبو حذيفة يوسف بن مسعود قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن أبي المثنى الحمصي ، عن أبي أبي ابن امرأة عبادة بن الصامت ، عن عبادة بن الصامت قال : " كنا عند النبي - عليه السلام - فقال : إنه سيكون بعدي أمراء تشغلهم أشياء حتى لا يصلوا الصلاة لميقاتها قالوا : نصليها معهم يا رسول الله ؟ قال : نعم " .

696 - قال أبو عمر : أبو المثنى الحمصي هو الأملوكي ، ثقة ، روى عن عتبة ، وأبي ابن أم حرام ، وكعب الأحبار .

[ ص: 305 ] 697 - وأبو أبي ابن أم حرام ربيب عبادة له صحبة ، وقد سماه وكيع وغيره في هذا الحديث ، عن الثوري ، وقد ذكرناه في الكنى .

698 - وفي هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباح الصلاة بعد خروج ميقاتها ، ولم يقل : إن الصلاة لا تصلى إلا في وقتها .

699 - والأحاديث في تأخير الأمراء الصلاة حتى يخرج وقتها كثيرة جدا ، وقد كان الأمراء من بني أمية أو أكثرهم يصلون الجمعة عند الغروب .

700 - وقد قال - عليه السلام - " التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى " .

701 - وقد أعلمهم أن وقت الظهر في الحضر ما لم يخرج وقت العصر .

702 - روي ذلك عنه من وجوه صحاح ، قد ذكرت بعضها في صدر هذا الكتاب في المواقيت .

[ ص: 306 ] 703 - حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال : حدثنا حمزة بن محمد بن علي ، حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قال : حدثنا سويد بن نصر قال : حدثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح ، عن أبي قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ليس في النوم تفريط ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يحين وقت الأخرى " .

704 - فقد سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فعل هذا مفرطا ، والمفرط ليس بمعذور ، وليس كالنائم ، ولا الناسي عند الجميع من جهة العذر .

705 - وقد أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته على ما كان من تفريطه .

706 - وقد روي في حديث أبي قتادة هذا : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " وإذا كان الغد فليصلها لميقاتها " .

707 - وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرط الصلاة عند الذكر ، وبعد الذكر .

708 - وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد ، إلا أن هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين في نوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الصبح في سفره ، وفيه : قالوا : يا رسول الله ، ألا نصليها من الغد ؟ قال : لا . إن الله ( لا ) ينهاكم عن الربا ثم يقبله منكم " .

709 - وروي من حديث أبي هريرة عن النبي - عليه السلام - .

[ ص: 307 ] 710 - وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثقفي - وهو مذكور في الصحابة - قال : " قدم وفد ثقيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلوا يسألونه فشغلوه ، فلم يصل يومئذ الظهر إلا مع العصر " .

711 - وأقل ما في هذا أنه أخرها عن وقتها الذي كان يصليها فيه بشغل اشتغل به .

712 - وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التابعين .

713 - وقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة عامدا حتى يخرج وقتها عاص لله ، وذكر بعضهم أنها كبيرة من الكبائر ، وليس ذلك مذكورا عند الجمهور في الكبائر .

714 - وأجمعوا على أن على العاصي أن يتوب من ذنبه بالندم عليه ، واعتقاد ترك العودة إليه قال : الله تعالى : " وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " ( النور : 31 ) .

715 - ومن لزمه حق لله ، أو لعباده ، لزمه الخروج منه .

716 - وقد شبه - عليه السلام - حق الله تعالى بحقوق الآدميين ، وقال : " دين الله أحق أن يقضى " .

717 - والعجب من هذا الظاهري في نقضه أصله وأصل أصحابه فيما وجب من الفرائض بإجماع : أنه لا يسقط إلا بإجماع مثله ، أو سنة ثابتة لا تنازع في قبولها ، والصلوات المكتوبات واجبات بإجماع .

718 - ثم جاء من الاختلاف بشذوذ خارج عن أقوال علماء الأمصار [ ص: 308 ] وأتبعه دون سند روي في ذلك ، وأسقط به الفريضة المجتمع على وجوبها ، ونقض أصله ، ونسي نفسه ، والله أسأله التوفيق لما يرضاه ، والعصمة مما به ابتلاه .

719 - وقد ذكر أبو الحسن بن المغلس في كتابه : " الموضح على مذهب أهل الظاهر " قال : فإذا كان الإنسان في مصر في حش أو موضع نجس ، أو كان مربوطا على خشبة ولم تمكنه الطهارة ولا قدر عليها ، لم تجب عليه الصلاة حتى يقدر على الوضوء ، فإن قدر على الطهارة تطهر وصلى متى ما قدر على الوضوء والتيمم .

720 - قال أبو عمر : هذا غير ناس ولا نائم ، وقد أوجب أهل الظاهر عليه الصلاة بعد خروج الوقت ، ولم يذكر ابن المغلس خلافا بين أهل الظاهر في ذلك .

[ ص: 309 ] 721 - وهذا الظاهري يقول : لا يصلي أحد الصلاة بعد خروج وقتها إلا النائم والناسي ; لأنهما خصا بذلك ، ونص عليهما .

722 - فإن قال : هذا معذور كما أن النائم والناسي معذوران ، وقد جمعهما العذر - قيل له : قد تركت ما أصلت في نفي القياس واعتبار المعاني وألا يتعدى النص ، مع أن العقول تشهد أن غير المعذور أولى بإلزام القضاء من المعذور .

723 - وقد ذكر أبو عبد الله أحمد بن محمد الداودي البغدادي في كتابه المترجم بجامع مذهب أبي سليمان : داود بن علي بن خلف الأصبهاني في باب " صوم الحائض وصلاتها " من كتاب الطهارة - قال : كل ما تركت الحائض من صلاتها حتى يخرج وقتها فعليها إعادتها .

724 - قال : ولو تركت الصلاة حتى يخرج وقتها ( وتريثت ) عن الإتيان بها حتى حاضت أعادت تلك الصلاة بعينها إذا طهرت .

725 - فهذا قول داود ، وهذا قول أهل الظاهر ، فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف ، وخالف جميع فرق الفقهاء ، وشذ عنهم ، ولا يكون إماما في العلم من أخذ بالشاذ من العلم .

[ ص: 310 ] 726 - وقد أوهم في كتابه أن له سلفا من الصحابة والتابعين تجاهلا منه أو جهلا ، فذكر عن ابن مسعود ، ومسروق ، وعمر بن عبد العزيز ، في قوله تعالى : " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " ( مريم : 59 ) قالوا : أخروها عن مواقيتها . قالوا : ولو تركوها لكانوا بتركها كفارا . وهؤلاء يقولون بكفر تارك الصلاة عمدا ، ولا يقولون بقتله إذا كان مقرا بها ، فكيف يحتج بهم على أن من قضى الصلاة فقد تاب من تضييعها ؟ قال الله تعالى : " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " ( طه : 82 ) .



727 - ولا تصح لمضيع الصلاة توبة إلا بأدائها ، كما لا تصح التوبة من دين الآدمي إلا بأدائه .

728 - ومن قضى صلاة فرط فيها فقد تاب وعمل صالحا ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

729 - وذكر عن سليمان أنه قال : الصلاة مكيال ، فمن وفى وفي له ، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله تعالى في المطففين .

730 - وهذا لا حجة فيه ; لأن الظاهر من معناه أن المطفف قد يكون الذي لم يكمل صلاته بركوعها وسجودها وحدودها وإن صلاها في وقتها .

731 - وذكر عن ابن عمر أنه قال : لا صلاة لمن لم يصل الصلاة لوقتها .

732 - وكذلك نقول : لا صلاة له كاملة ، كما لا صلاة لجار المسجد ، ولا إيمان لمن لا أمانة له .

[ ص: 311 ] 733 - ومن قضى الصلاة فقد صلاها وتاب من سيئ عمله في تركها ، وكل ما ذكر في هذا المعنى فغير صحيح ، ولا له في شيء منه حجة ; لأن ظاهره خلاف ما تأوله . والله أسأله العصمة والتوفيق .

734 - وأما فزع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان فزعا منه وإشفاقا وحزنا على ما فاته من صلاته في وقتها بالنوم الغالب عليه ، وحرصا على بلوغ الغاية من طاعة ربه ، ونحو ذلك ، كما فزع حين قام إلى صلاة الكسوف فزعا يجر رداءه ، وكان فزع أصحابه في انتباههم ; لأنهم لم يعرفوا حكم من نام عن صلاته في رفع المأثم عنه ، وإباحة القضاء له .

735 - ولذلك قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله قبض أرواحنا ، ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا " .

[ ص: 312 ] 736 - ويجوز أن يكون فزعهم لما رأوه من فزعه حين انتباهه ، إشفاقا [ ص: 313 ] وفزعا ، كفزعهم حين صلى بهم عبد الرحمن بن عوف الصبح ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشتغل بطهوره ، ثم أتى فأدرك معهم ركعة ، فلما سمعوا تكبيره فزعوا . فلما قضى صلاته قال : " أحسنتم " .

737 - ولم يكن فزعه - عليه السلام - من عدو خافه كما زعم بعض من تكلم في معاني الموطأ .

738 - وفي هذا الحديث تخصيص قوله - عليه السلام - : " رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ " وبيان أنه إنما رفع عنه الإثم في تأخير الصلاة لما يغلبه من النوم ، ولم يرفع عنه وجوب الإتيان بها إذا انتبه وذكرها ، وكذلك الناسي .

[ ص: 314 ] 739 - وفي قوله - عليه السلام - : " حتى يستيقظ " في النائم ، وفي الساهي : فليصلها إذا ذكرها - بيان ما قلنا . وبالله توفيقنا . 740 - وأما قول بلال : " أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك " - يعني من النوم - فصنف من الاحتجاج لطيف يقول : إذا كنت في منزلتك من الله قد غلبتك عينك ، وقبضت نفسك فأنا أحرى بذلك .

741 - وقد روى ابن شهاب ، عن علي بن حسين قال : " دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على علي بن أبي طالب ، وفاطمة ، وهما نائمان فقال : ألا تصلون ! ألا تصلون ! فقال علي : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا أراد أن يبعثها بعثها ، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ : " وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " ( الكهف : 54 ) .

742 - وفي قول علي : إنما أنفسنا بيد الله ، وقول بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، مع قوله - عليه السلام - : إن الله قبض أرواحنا ، وقوله - عليه السلام - في حديث أبي جحيفة : " إنكم كنتم أمواتا فرد الله إليكم أرواحكم " مع قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " ( الزمر : 42 ) - دليل واضح على أن الروح والنفس شيء واحد .

743 - وقد أثبتنا بما بينا في النفس والروح عن السلف ومن بعدهم بما فيه شفاء في مرسل زيد بن أسلم من " التمهيد " والحمد لله .

744 - وأما قوله " فبعثوا رواحلهم واقتادوا شيئا " - فإنه أراد : أثاروا جمالهم ، واقتادوا سيرا قليلا ، والإبل إذا كان عليها الأوقار فهي الرواحل .

[ ص: 315 ] 745 - واختلف العلماء في معنى اقتيادهم وخروجهم من ذلك الوادي : فقال أهل الحجاز : إنما كان ذلك لأن الوقت قد كان خرج فلم يخف فوتا آخر ، وتشاءم بالموضع الذي نابهم فيه ، فقال : هذا واد به شيطان " . كما قال تعالى حاكيا عن موسى - عليه السلام - : " وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " ( الكهف : 63 ) .

746 - وقد روى معمر ، عن الزهري في هذا الحديث ، عن ابن المسيب قال : " فاقتادوا رواحلهم وارتحلوا عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة " .

747 - وذكر وكيع ، عن جعفر بن برقان ، عن الزهري : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نام عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس ، فقال لأصحابه : تزحزحوا عن المكان الذي أصابتكم فيه الغفلة ، فصلى ثم قال : " وأقم الصلاة لذكري " .

748 - وذلك كله نحو مما أشرنا إليه ، وليس من باب الطيرة ، وإنما هو من باب الكراهة .

749 - وأما أهل العراق فزعموا أن تأخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتلك الصلاة حتى خرج من الوادي إنما كان لأنه انتبه في حين طلوع الشمس .

750 - قالوا : ومن سنته ألا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها .

751 - ومن حجتهم ما أنبأنا سعيد بن نصر ، وأحمد بن قاسم ، وعبد الوارث بن سفيان قالوا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال : حدثنا بندار محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن جامع بن شداد قال : سمعت عبد الرحمن بن علقمة قال : سمعت ابن مسعود يقول : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال من يكلأنا الليلة فقال [ ص: 316 ] بلال : أنا . فناموا حتى طلعت الشمس ، فقال : افعلوا كما كنتم تفعلون ففعلنا . قال : " كذلك فافعلوا ثم نام أو نسي " .

752 - واحتجوا بقوله - عليه السلام - : " إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز ، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب " .

753 - وبالآثار التي رواها الصنابحي وغيره في النهي عن الصلاة في حين طلوع الشمس وحين غروبها .

754 - وحملوا ذلك على الفرائض وعلى النوافل ، وقالوا : لما كان يوم الفطر والأضحى لا يؤدى فيهما صيام رمضان ولا نفل ; لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - عن صيامهما - فكذلك هذه الأوقات لا تصلى فيها فريضة ولا نافلة ; لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فيها .

755 - وهذا يرد قوله - عليه السلام - : " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " .

756 - وروى أبو رافع ، عن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - أنه قال : " إذا أدركت ركعة من صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فصل إليها أخرى " .

[ ص: 317 ] 757 - وقد ذكرناه بإسناده في " التمهيد " .

758 - وهذه إباحة منه لصلاة الفريضة في حين طلوع الشمس وحين غروبها ، فدل ذلك على أن نهيه المذكور عن الصلاة في حين طلوع الشمس وحين غروبها لم يكن عن الفرائض ، وإنما أراد به التطوع والنافلة .

759 - وأما قوله : " فأمر بلالا فأقام الصلاة " فيحتمل أنه لم يأمره بالأذان ، وإنما أمره بالإقامة فقط .

760 - وهذا مذهب مالك في الموطأ في الصلاة الفائتة : أنها تقام بغير أذان ، وأنه لا يؤذن لصلاة فريضة إلا في وقتها .

[ ص: 318 ] 761 - ويحتمل أن يكون أمره فأقام الصلاة بما تقام به من الأذان والإقامة .

762 - وقد روي عن النبي - عليه السلام - أنه حين نام عن صلاة الفجر في سفره أمر بلالا فأذن وأقام ، وفي بعضها : أنه أمره فأقام ، ولم يذكر أذانا .



763 - واختلف الفقهاء في الأذان والإقامة للصلوات الفوائت :

764 - فقال مالك ، والأوزاعي ، والشافعي : من فاتته صلاة أو صلوات حتى خرج وقتها أقام لكل صلاة إقامة إقامة ، ولم يؤذن .

765 - وقال الثوري : ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة .

766 - وقال أبو حنيفة : من فاتته صلاة واحدة صلاها بأذان وإقامة ، فإن لم يفعل فصلاته تامة .

767 - وقال محمد بن الحسن : إذا فاتته صلوات فإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل النبي - عليه السلام - يوم الخندق فحسن ، وإن أذن وأقام لكل صلاة فحسن ، ولم يذكر خلافا بينه وبين أصحابه في ذلك .

768 - وقال أحمد بن حنبل ، وأبو ثور ، وداود : يؤذن ويقيم لكل صلاة فاتته على ما روي عن النبي - عليه السلام - حين نام في سفره عن صلاة الفجر .

769 - قال أبو عمر : كأنهم ذهبوا إلى أن ما ذكر الصحابة والرواة في أحاديث نوم النبي - عليه السلام - عن صلاة الفجر في سفره من الأذان مع الإقامة حجة على من لم يذكر ، إلا ما ذكرنا من احتمال لفظ الإقامة في التأويل .

770 - وقد ذكرنا الأحاديث بذلك في " التمهيد " من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة .

[ ص: 319 ] 771 - ( منها ) : ما أنبأناه سعيد بن نصر قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين قال : " سرينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عرس بنا من آخر الليل قال : فاستيقظنا وقد طلعت الشمس قال : فجعل الرجل يثور إلى طهوره دهشا فازعا ، فقال النبي - عليه السلام - : " ارتحلوا قال : فارتحلنا حتى إذا ارتفعت الشمس نزلنا فقضينا من حوائجنا ، ثم أمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين ، ثم أمر بلالا فأقام ، فصلى بنا النبي - عليه السلام - قال : فقلنا : يا رسول الله ! أفنقضيها لميقاتها من الغد ؟ فقال : لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم " .

772 - ومن حجة من قال : إن الفائتة يقام لها ولا يؤذن - حديث أبي سعيد الخدري ، وحديث ابن مسعود عن يوم الخندق : فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبس يومئذ عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء إلى هوي من الليل ثم أقام لكل صلاة ، ولم يذكر أذانا .

773 - حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن ، حدثنا عمار بن عبد الجبار الخراساني قال : حدثنا ابن أبي ذئب . [ ص: 320 ] 774 - وحدثنا أحمد بن عبد الله قال : حدثنا الميمون بن حمزة الخشني ، حدثنا الطحاوي ، حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا ابن أبي بديل ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه قال : حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان هوي من الليل حتى كفينا ، وذلك قوله : " وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا " ( الأحزاب : 25 ) فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأقام ، فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ، ثم أقام العصر فصلاها كذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها ، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك ، وذلك قبل أن ينزل في صلاة الخوف : " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا " ( البقرة : 239 ) . معنى حديثهما سواء .

775 - وحدثنا عبد الوارث ، حدثنا قاسم ، حدثنا أحمد بن محمد السري ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا هشام بن عبد الله ، عن أبي الزبير ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعود قال : " كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحبسنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال : [ ص: 321 ] فأمر رسول الله بلالا فأقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء ، ثم قال : ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم " .

776 - قال أبو عمر : يعني الصلاة في ذلك الوقت ، وهذان الحديثان حجة في أن الفوائت يقام لها ولا يؤذن .

777 - واستدل بعض من يقول بأنها يؤذن لها ويقام بما في هذين الحديثين من قوله : " ثم أقام للعشاء فصلاها " والعشاء مفعولة في وقتها ليست بفائتة ، ولا بد لها من الأذان ، فدل ذلك على أن قوله : " ثم أقام فصلى العشاء " إنما أراد إقامتها بما تقام به على سنتها من الأذان والإقامة .

778 - قال : فكذلك سائر ما ذكر معها من الصلوات .

779 - قال أبو عمر : قد يحتمل أن تكون العشاء صليت في تلك الليلة بعد نصف الليل ؛ لقوله في الحديث : " هوي من الليل " وذلك بعد خروج وقتها ، فكان حكمها في ذلك حكم صلاة المغرب بعد مغيب الشفق على ما في الأحاديث المسندة .

780 - وإذا احتمل ذلك فهي فائتة ، حكمها حكم غيرها مما ذكر من الصلاة معها .

781 - وصح بظاهر هذين الحديثين أن الفوائت يقام لها ولا يؤذن ، وبالله التوفيق .

782 - وأما صلاة ركعتي الفجر لمن نام عن صلاة الفجر ولم ينتبه لها إلا بعد طلوع الشمس فإن مالكا قال : يبدأ بالمكتوبة ، ولم يعرف ما ذكر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ركعتي الفجر يومئذ .

[ ص: 322 ] 783 - وذكر أبو قرة موسى بن طارق في سماعه من مالك : قال : قال مالك فيمن نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس : إنه لا يركع ركعتي الفجر ، ولا يبدأ بشيء قبل الفريضة .

784 - قال : وقال مالك : لم يبلغنا أن النبي - عليه السلام - صلى ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس .

785 - قال ابن وهب : سئل مالك : هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نام عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس ركع ركعتي الفجر ؟ قال : ما علمت .

786 - قال أبو عمر : ليس في شيء من رواية مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع ركعتي الفجر في ذلك ، وإنما صار في ذلك إلى ما روى .

787 - وعلى مذهبه في ذلك جمهور أصحابه إلا أشهب ، وعلي بن زياد فإنهما قالا : يركع ركعتي الفجر قبل أن يصلي الصبح قالا : قد بلغنا ذلك عن النبي - عليه السلام - أنه صلاهما يومئذ .

788 - وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، والحسن بن صالح : يركع ركعتي الفجر إن شاء ، ولا ينبغي له أن يدعهما .

789 - وإليه ذهب أحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود لما روي في ذلك من حديث عمران بن حصين وغيره .

790 - وقد ذكرنا ذلك في باب مرسل زيد بن أسلم من التمهيد .

791 - وقد كان يجب على أصل مالك أن يركعهما قبل أن يصلي الصبح ; لأن قوله : من أتى مسجدا قد صلي فيه لا بأس أن يتطوع قبل المكتوبة إذا كان في سعة من الوقت .

[ ص: 323 ] 792 - ومعلوم أن من انتبه بعد طلوع الشمس لا يخاف من فوت الوقت أكثر مما هو فيه .

793 - وكذلك قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وداود : يتطوع إذا كان في الوقت سعة .

794 - وقال الثوري : ابدأ بالمكتوبة ، ثم تطوع بما شئت ، وهو قول الحسن بن حي .

795 - وقال الليث بن سعد : كل واجب من صلاة فريضة ، أو صلاة نذر ، أو صيام - يبدأ به قبل النفل .

796 - رواه ابن وهب عنه ، وقد روى عنه ابن وهب خلاف ذلك : قال ابن وهب : سمعت الليث يقول في الذي يدرك الإمام في قيام رمضان ولم يصل العشاء : أنه يصلي معهم بصلاتهم ، فإذا فرغ صلى العشاء قال : وإن علم أنهم في القيام قبل أن يدخل في المسجد فوجد مكانا طاهرا فليصل العشاء ثم يدخل معهم في القيام .

797 - وأما قوله في الحديث : " من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها " فإن الله يقول : " وأقم الصلاة لذكري " فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " من وجوه قد ذكرناها في التمهيد ، وفي بعضها : " فذلك وقتها " .

798 - واحتج القائلون بأن من ذكر صلاة وهو في صلاة فسدت عليه صلاته التي هو فيها حتى يصلي التي ذكر قبلها من أصحابنا وغيرهم - بقوله هذا : " فليصلها إذا ذكرها " .

[ ص: 324 ] 799 - قالوا : فهو مأمور بإقام الصلاة المذكورة في حين الذكر ، فصار ذلك وقتا لها ، فإذا ذكرها وهو في صلاة فكأنها مع صلاة الوقت صلاتان من يوم واحد اجتمعتا عليه في وقت واحد .

800 - فالواجب أن يبدأ بالأولى منهما ، فلذلك فسدت عليه التي هو فيها ، كما لو صلى العصر قبل صلاة الظهر من ذلك اليوم .

801 - وفسادها من جهة الترتيب ، إلا أن ذلك عند مالك وأصحابه ومن يقول بقولهم لا تجب إلا مع الذكر وحصول الوقت بالترتيب وقلة العدد ، وذلك صلاة يوم فما دون .

802 - فإذا خرج الوقت سقط ، وكذلك سقط الترتيب مع كثرة العدد ; لما في ذلك من المشقة ، وما لا يطاق عليه ، ويفحش القياس فيه ; لأنه لو ذكر صلاة عام فرط فيها ، أو ذكر صلاة بين وقتها وبين صلاة وقته عام قبح بالمفتي أن يأمره بصلاة عام ونحوه قبل أن يصلي صلاة وقته .

803 - واحتج بعضهم في وجوب الترتيب بحديث أبي جمعة ، واسمه حبيب بن سباع وله صحبة قال : " صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المغرب يوم الأحزاب ، فلما سلم قال : هل علم أحد منكم أني صليت العصر ؟ قالوا : لا يا رسول الله قال : فصلى العصر ، ثم صلى المغرب " .

804 - وهذا حديث لا يعرف إلا عن ابن لهيعة ، عن مجهولين لا تقوم بهم حجة .

[ ص: 325 ] 805 - وقال : الشافعي ، وداود بن علي ، وأبو جعفر الطبري : لا يلزم الترتيب في شيء من ذلك .

806 - وقالوا فيمن ذكر صلاة وهو في صلاة غيرها وحده أو وراء إمام : يتمادى في صلاته ، فإذا أتمها صلى التي ذكر ولم يعد الأخرى بعدها .

807 - وليس الترتيب عند هؤلاء بواجب فيما قل ولا فيما كثر إلا في صلاة اليوم بعينه .

808 - وحجتهم أن الترتيب إنما يجب في اليوم وأوقاته ، كما يجب ترتيب أيام رمضان في رمضان لا في غيره ، فإذا خرج الوقت سقط الترتيب .

809 - ألا ترى أن رمضان تجب الرتبة فيه والنسق لوقته ، فإذا انقضى سقطت الرتبة ، ولم يجب على الذي لم يصمه في وقته لمرض أو سفر إلا عدة من أيام أخر ؟ .

810 - وكذلك من عليه أيام من شهر رمضان فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان آخر أنه يصومه ، ثم يصوم الأيام من الأول بعده ولا يعيده .

811 - وهذا إجماع من علماء المسلمين ، وإنما اختلفوا في الإطعام مع قضاء الأيام لمن فرط وهو قادر على الصيام .

812 - فأما داود ومن نفى القياس : فإنهم احتجوا في سقوط الترتيب بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر يومئذ وهو ذاكر للصبح .

[ ص: 326 ] 813 - قالوا : فقد صلى صلاة سنة وهو ذاكر فيها لصلاة فريضة فلم تفسد عليه ، فأحرى ألا تفسد عليه صلاة فريضة إذا ذكر فيها أخرى قبلها .

814 - وهذا عندي احتجاج فاسد غير لازم من وجوه :

815 - ( منها ) : أن لا ترتيب بين السنن والفرائض .

816 - ( ومنها ) : أنه لم يذكر في ركعتي الفجر صلاة قبلها ، وإنما كان ذاكرا فيها صلاة بعدها .

817 - وهذا لا خفاء فيه لمن أنصف نفسه .

818 - ولا معنى لقول النبي - عليه السلام - : " فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله تعالى يقول : " وأقم الصلاة لذكري " عند من لا يرى الترتيب إلا إيجاب الصلاة على كل من نام عنها أو تركها أو نسيها إذا ذكرها ، وأنه لازم لكل من ذكر صلاة لم يصلها أن يصليها إذا ذكرها ، وأن النائم عنها والناسي لها إذا ذكرها في حكم من ذكرها في وقتها ، وليس في ذلك عندهم إيجاب ترتيب .

819 - وقد أجمع علماء المسلمين : أن من ذكر صلوات كثيرة كصلاة شهر أو أكثر أو ما زاد على صلاة يوم وليلة ، لم يلزمه ترتيب ذلك مع صلاة وقته ، فكذلك القليل من الصلوات في القياس والنظر ، وبالله التوفيق .

820 - وسيأتي من هذا المعنى زيادة مسائل عن العلماء يزيد الناظر فيها بيانا وعلما عند ذكر حديث مالك إن شاء الله .

[ ص: 327 ] 821 - وأما معنى قوله تعالى : " وأقم الصلاة لذكري " فإن أكثر أهل العلم قالوا : معناه أن يصلي الصلاة إذا ذكرها .

822 - هذا قول إبراهيم ، والشعبي ، وأبي العالية ، وجماعة من العلماء بتأويل القرآن .

823 - وقد قرئت : ( للذكرى ) على هذا المعنى ، وكان ابن شهاب يقرؤها كذلك .

824 - وقال مجاهد : " وأقم الصلاة لذكري " : أن يذكر فيها . قال : فإذا صلى عبد ذكر ربه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث