الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب في حكم لبس الرقيق وتطويل اللباس وتقصيره

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وفي نصه أكره للرجال وللنسا الر قيق سوى للزوج يخلو وسيد ( وفي نصه ) أي الإمام أحمد رضي الله عنه ( أكره ) أي يكره ( للرجال ) جمع رجل ، وهو الذكر البالغ من بني آدم ، والمراد هنا مجرد الذكور ( وللنساء ) مجرد الإناث ( الرقيق ) أي لبسه مفردا ( سوى ) ما إذا لبسته المرأة ( للزوج ) أي زوجها ( يخلو ) أي في حال خلوته بها فلا كراهة حينئذ ( و ) سوى ما إذا لبسته أمة ل ( سيد ) ها في حال خلوته بها فكذلك ، وتقدم ذلك قريبا .

مطلب : في حكم لبس الرقيق وتطويل اللباس وتقصيره :     ويكره تقصير اللباس وطوله
بلا حاجة كبرا وترك المعود و ( يكره ) تنزيها ( تقصير اللباس ) أي الملبوس .

قال في الفروع : ويكره فوق نصف ساقيه نص عليه .

وقال أيضا : يشهر نفسه .

وقال في الآداب : قال ابن تميم السنة في الإزار والقميص ونحوه من نصف الساق إلى الكعبين ، فلا يتأذى الساق بحر وبرد ، ولا يتأذى الماشي بطوله ويجعله كالمقيد .

ويكره ما نزل عن ذلك أو ارتفع عنه ، نص عليه ، وهو المذهب .

قال في الإقناع : ويكره أن يكون ثوب الرجل إلى فوق نصف ساقه وتحت كعبه بلا حاجة ، ولا يكره ما بين ذلك ، ولذا قال الناظم :

مطلب : في حكم إسبال اللباس .

( و ) يكره أيضا ( طوله ) أي اللباس إلى تحت كعبيه ( بلا حاجة ) وأما إذا كان لبسه ذلك لحاجة داعية لذلك كستر ساق قبيح من غير خيلاء ، ولا تدليس أبيح ، وأما إذا كان إسباله للباس ( كبرا ) أي لأجل الكبر [ ص: 215 ] فأطلق الناظم أنه مكروه فقط ، والأصح الحرمة بل هو كبيرة .

والحاصل : أن الإسبال تارة يكون خيلاء وتارة لا يكون .

الأول حرام من الكبائر على الأصح ، والثاني تارة يكون لحاجة وأخرى لا .

الأول غير مكروه ما لم يقصد تدليسا فيحرم ، والثاني مكروه ، وهو الإسبال بلا حاجة ، ولا خيلاء ولا تدليس ، لقول الإمام أحمد رضي الله عنه : ما تحت الكعبين في النار .

وظاهر النظم عدم الكراهة حيث لا خيلاء ولا كبر .

وهو قول مرجوح ، وقد صرح بذلك صاحب النظم وقال : الأولى تركه ، واستدل له برواية حنبل عن الإمام رضي الله عنه أنه قال عن جر الإزار : إذا لم يرد به خيلاء فلا بأس به ، وهو ظاهر كلام غير واحد من الأصحاب كما في الآداب الكبرى للعلامة ابن مفلح .

وقال صاحب المحيط من الحنفية : روي أن أبا حنيفة رحمه الله ارتدى برداء ثمين قيمته أربعمائة دينار ، وكان يجره على الأرض ، فقيل له : أولسنا نهينا عن هذا ؟ فقال : إنما ذلك لذوي الخيلاء ، ولسنا منهم .

قال في الآداب : واختار الشيخ تقي الدين عدم تحريمه ، ولم يتعرض للكراهة ، ولا عدمها .

وقال أبو بكر عبد العزيز : يستحب أن يكون طول قميص الرجل إلى الكعبين ، وإلى شراك النعل .

وهو الذي في المستوعب ، وطول الإزار إلى مراق الساقين ، وقيل إلى الكعبين انتهى .

مطلب : في الأحاديث الواردة في الردع عن جر الإزار خيلاء .

ولنذكر الآن طرفا من الأحاديث الواردة في الردع عن جر الإزار خيلاء ، وعن العجب والتكبر على حسب ما يليق بهذا الشرح ، وإلا فالأحاديث كثيرة جدا في ذلك فنقول : أخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار } وفي رواية النسائي قال { إزرة المؤمن إلى عضلة ساقه ، ثم إلى نصف ساقه ، ثم إلى كعبه ، وما تحت الكعبين من الإزار ففي النار } .

قال ابن عمر رضي الله عنهما " ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ ص: 216 ] الإزار فهو في القميص رواه أبو داود .

وأخرج الإمام مالك وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال { سألت أبا سعيد رضي الله عنه عن الإزار فقال : على الخبير بها سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إزرة المؤمن إلى نصف الساق ، ولا حرج ، أو قال : لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه يوم القيامة }

وأخرج الإمام أحمد ورواته رواة الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال حميد وفي بعض النسخ قال أحمد كأنه يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال { الإزار إلى نصف الساق ، فشق عليهم فقال أو إلى الكعبين ، لا خير في أسفل من ذلك } .

وروى مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر خابوا وخسروا ، من هم يا رسول الله ؟ قال : المسبل ، والمنان ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب } قال الحافظ المنذري : المسبل هو الذي يطول ثوبه ، ويرسله إلى الأرض كأنه يفعل ذلك تجبرا واختيالا .

وفي لفظ { المسبل إزاره } .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية عبد العزيز بن أبي رواد - والجمهور على توثيقه - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الإسبال في الإزار والقميص والعمامة . من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة } . قلت : وفي ثلاثيات مسند الإمام أحمد رضي عنه جمع الإمام الحافظ المتقن الحجة ضياء الدين المقدسي رحمه الله قال الإمام أحمد حدثنا سفيان يعني بن عيينة عن زيد بن أسلم سمع ابن عمر ابن ابنه عبد الله بن واقد يقول : يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء } . ورواه البخاري ومسلم وغيرهما مرفوعا بلفظ { لا ينظر الله يوم القيامة [ ص: 217 ] إلى من جر ثوبه خيلاء } . وهما وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعا { لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا } وهما وغيرهما أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضا مرفوعا { من جر خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لست ممن يفعله خيلاء } . ولفظ مسلم قال ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول { من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة } .

قال الحافظ المنذري : الخيلاء بضم الخاء المعجمة وكسرها أيضا وبفتح الياء المثناة تحت ممدود هو الكبر والعجب . والمخيلة بفتح الميم وكسر المعجمة من الاختيال وهو الكبر واستحقار الناس .

وأخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة } . قوله يتجلجل بجيمين أي يغوص وينزل فيها . ورواه الإمام أحمد والبزار بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ { بينا رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا { بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة } . والبزار عن جابر أحسبه رفعه { أن رجلا كان في حلة حمراء فتبختر أو اختال فيها فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة } .

قال في فتح الباري : ذكر السهيلي في مبهمات القرآن في سورة الصافات عن الطبري أن اسم الرجل المذكور الهيزن ، وأنه من أعراب [ ص: 218 ] فارس وقيل هو قارون انتهى .

وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا { من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة وإن كان على الله كريما } .

والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا { أتاني جبريل عليه السلام فقال هذه ليلة النصف من شعبان ولله فيها عتقاء من النار بعدد شعور غنم كلب ، لا ينظر الله فيها إلى مشرك ، ولا إلى ساحر ، ولا إلى قاطع رحم ، ولا إلى مسبل ، ولا إلى عاق لوالديه ، ولا إلى مدمن خمر }

وأبو داود عن ابن مسعود مرفوعا وقال ورواه جماعة عنه موقوفا { من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حل ولا حرم } .

فهذه الأحاديث وأضعافها مما لم نذكره تدل دلالة صريحة على تحريم الخيلاء والإسبال كبرا .

فإن قلت : حيث كان الإسبال بهذه المثابة فما عذر الناظم في جعله مكروها مع الكبر وغير مكروه بلا كبر ؟ ، .

قلت : الناظم رحمه الله تعالى لا يقول إن الكبر غير محرم ، وإنما الخلاف الذي ذكره في نفس الإسبال هل هو مكروه أو لا .

وأما الكبر فحرام بلا شك .

وقد علمت أن الحق أن الإسبال خيلاء حرام أيضا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث