الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 526 ] 35

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين

ذكر مسير من سار إلى حصر عثمان

قيل : في هذه السنة كان مسير من سار من أهل مصر إلى ذي خشب ، ومسير من سار من أهل العراق إلى ذي المروة .

وكان سبب ذلك أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا ، وأسلم أيام عثمان ، ثم تنقل في الحجاز ثم بالبصرة ثم بالكوفة ثم بالشام يريد إضلال الناس ، فلم يقدر منهم على ذلك ، فأخرجه أهل الشام ، فأتى مصر فأقام فيهم وقال لهم : العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ، ويكذب أن محمدا يرجع ، فوضع لهم الرجعة ، فقبلت منه ، ثم قال لهم بعد ذلك : إنه كان لكل نبي وصي ، وعلي وصي محمد ، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثب على وصيه ، وإن عثمان أخذها بغير حق ، فانهضوا في هذا الأمر وابتدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس .

وبث دعاته ، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه ، ودعوا في السر إلى ما هو عليه رأيهم ، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم ، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون ، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة ، فيقول أهل كل مصر : إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء ، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار ، فقالوا : إنا لفي عافية مما فيه الناس . فأتوا عثمان فقالوا : يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا ؟ فقال : ما جاءني إلا السلامة وأنتم شركائي وشهود المؤمنين ، فأشيروا علي . قالوا : نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم .

فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة ، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة ، [ ص: 527 ] وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر ، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام ، وفرق رجالا سواهم ، فرجعوا جميعا قبل عمار فقالوا : ما أنكرنا شيئا أيها الناس ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم . وتأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل ، فوصل كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر أن عمارا قد استماله قوم وانقطعوا إليه ، منهم : عبد الله بن السوداء ، وخالد بن ملجم ، وسودان بن حمران ، وكنانة بن بشر .

فكتب عثمان إلى أهل الأمصار : [ أما بعد ] فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم ، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون ، فمن ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي ، أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين . فلما قرئ في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان . وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه في الموسم : عبد الله بن عامر ، وعبد الله بن سعد ، ومعاوية ، وأدخل معهم سعيد بن العاص وعمرا ، فقال : ويحكم ما هذه الشكاية والإذاعة ؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي ! فقالوا له : ألم تبعث ؟ ألم يرجع إليك الخبر عن العوام ؟ ألم يرجع رسلك ولم يشافههم أحد بشيء ؟ والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلا ، ولا يحل الأخذ بهذه الإذاعة ! فقال : أشيروا علي . فقال سعيد : هذا أمر مصنوع يلقى في السر فيتحدث به الناس ، ودواء ذلك طلب هؤلاء وقتل الذين يخرج هذا من عنده . وقال عبد الله بن سعد : خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتم الذي لهم فإنه خير من أن تدعهم . وقال معاوية : قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير ، والرجلان أعلم بناحيتيهما ، والرأي حسن الأدب . وقال عمرو : أرى أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة ، وتلين في موضع اللين .

فقال عثمان : قد سمعت كل ما أشرتم به علي ، ولكل أمر باب يؤتى منه ، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن ، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فنكفكفه باللين والمؤاتاة إلا في حدود الله ، فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة حق ، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ، وإن رحى الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها . سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم ، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها . فلما نفر عثمان وشخص معاوية والأمراء معه واستقل على الطريق رجز به الحادي فقال :

[ ص: 528 ]

قد علمت ضوامر المطي وضمرات عوج القسي     أن الأمير بعده علي
وفي الزبير خلف رضي      [ وطلحة الحامي لها ولي

]

فقال كعب : كذبت بل يلي بعده صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية - فطمع فيها من يومئذ .

فلما قدم عثمان المدينة دعا عليا وطلحة والزبير وعنده معاوية ، فحمد الله معاوية ثم قال : أنتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخيرته من خلفه وولاة أمر هذه الأمة ، لا يطمع فيه أحد غيركم ، اخترتم صاحبكم عن غير غلبة ولا طمع ، وقد كبر وولى عمره ، ولو انتظرتم به الهرم لكان قريبا ، مع أني أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغه ذلك ، وقد فشت مقالة خفتها عليكم فما عتبتم فيه من شيء ، فهذه يدي لكم به ، ولا تطمعوا الناس في أمركم ، فوالله إن طمعوا فيه لا رأيتم منها أبدا إلا إدبارا .

قال علي : ما لك ولذلك لا أم لك ؟ قال : دع أمي فإنها ليست بشر أمهاتكم ، قد أسلمت وبايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجبني عما أقول لك . فقال عثمان : صدق ابن أخي ، أنا أخبركم عني وعما وليت ، إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما ومن كان منهما بسبيل احتسابا ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعطي قرابته وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش ، فبسطت يدي في شيء من ذلك لما أقوم به فيه ، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه فأمري لأمركم تبع . فقالوا : قد أصبت وأحسنت ، قد أعطيت عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا ، وأعطيت مروان خمسة عشر ألفا . فأخذ منهما ذلك ، فرضوا وخرجوا راضين .

وقال معاوية لعثمان : اخرج معي إلى الشام فإنهم على الطاعة قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به . فقال : لا أبيع جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء وإن كان فيه خيط عنقي . قال : فإن بعثت إليك جندا منهم يقيم معك لنائبة إن نابت ؟ قال : لا أضيق على جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : والله لتغتالن ولتغزين ! فقال : حسبي الله ونعم الوكيل !

ثم خرج معاوية فمر على نفر من المهاجرين فيهم علي وطلحة والزبير وعليه ثياب [ ص: 529 ] السفر ، فقام عليهم وقال : إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكانوا يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد ، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع ، وإن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم ، وإن الله على البدل لقادر ، وإني قد خلفت فيكم شيخا فاستوصوا به خيرا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك . ثم ودعهم ومضى . فقال علي : [ ما ] كنت أرى في هذا خيرا . فقال الزبير : والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم .

واتعد المنحرفون عن عثمان يوما يخرجون فيه بالأمصار جميعا إذا سار عنها الأمراء ، فلم يتهيأ لهم ذلك ، ولما رجع الأمراء ولم يتم لهم الوثوب صاروا يكاتبون في القدوم إلى المدينة ، لينظروا فيما يريدون ويسألوا عثمان عن أشياء لتطير في الناس . وكان بمصر محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة يحرضان على عثمان .

فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة ، وقيل : في ألف ، وفيهم كنانة بن بشر الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة بن فلان السكوني ، وعليهم جميعا الغافقي بن حرب العكي ، وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبدي ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم العامري ، وهم في عداد أهل مصر ، وخرج أهل البصرة فيهم حكيم بن جبلة العبدي ، وذريح بن عباد ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحترش ، وهم بعداد أهل مصر ، وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي ، فخرجوا جميعا في شوال وأظهروا أنهم يريدون الحج ، فلما كانوا من المدينة على ثلاث ، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب ، وكان هواهم في طلحة ، وتقدم ناس من أهل الكوفة ، وكان هواهم في الزبير ، وتركوا الأعوص ، وجاءهم ناس من أهل مصر ، وكان هواهم في علي ، ونزلوا عامتهم بذي المروة ، ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر ، وعبد الله بن الأصم وقالا لهم : لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد لكم ، فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا ، فوالله إن كان هذا حقا واستحلوا قتالنا بعد علم حالنا إن أمرنا لباطل ، وإن كان الذي بلغنا باطلا رجعنا إليكم بالخبر . قالوا : اذهبا . فذهبا فدخلا المدينة فلقيا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعليا وطلحة والزبير ، فقالا : إنما نريد هذا البيت ونستعفي من بعض عمالنا ، واستأذناهم في الدخول ، [ ص: 530 ] فكلمهما أبي ونهاهما ، فرجعا إلى أصحابهما . فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا عليا ، ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة ، ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير ، وقال كل فريق منهم : إن بايعنا صاحبنا وإلا كذبناهم وفرقنا جماعتهم ، ثم رجعنا عليهم حتى نبغتهم . فأتى المصريون عليا وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه ، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلموا عليه وعرضوا عليه ، فصاح بهم وطردهم وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وجيش ذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - فانصرفوا عنه . وأتى البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك ، وكان قد أرسل ابنيه إلى عثمان ، وأتى الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك ، وكان قد أرسل ابنه عبد الله إلى عثمان .

فرجعوا وتفرقوا عن ذي خشب وذي المروة والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة ثم يرجعوا إليهم . فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة ، فرجعوا بهم ، فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ، ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا : من كف يده فهو آمن . وصلى عثمان بالناس أياما ، ولزم الناس بيوتهم ولم يمنعوا الناس من كلامه ، وأتاهم أهل المدينة وفيهم علي فقال لهم : ما ردكم بعد ذهابكم ؟ فقالوا : أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا . وأتى طلحة الكوفيين فسألهم عن عودتهم فقالوا مثل ذلك . وأتى الزبير البصريين فقالوا مثل ذلك ، وكل منهم يقول : نحن نمنع إخواننا وننصرهم ، كأنما كانوا على ميعاد . فقال لهم علي : كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل حتى رجعتم علينا ؟ هذا والله أمر أبرم بليل ! فقالوا : ضعوه كيف شئتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل - ليعتزل عنا . وعثمان يصلي بهم وهم يصلون خلفه ، وهم أدق في عينه من التراب ، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع .

وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستنجدهم ويأمرهم بالحث للمنع عنه ، ويعرفهم ما الناس فيه . فخرج أهل الأمصار على الصعب والذلول ، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج ، وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل المدينة ، منهم : عقبة بن عامر ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وحنظلة الكاتب ، وغيرهم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن التابعين : مسروق ، [ ص: 531 ] والأسود ، وشريح ، وعبد الله بن حكيم ، وغيرهم ، وقام بالبصرة : عمران بن حصين ، وأنس بن مالك ، وهشام بن عامر ، وغيرهم من الصحابة ، ومن التابعين : كعب بن سور ، وهرم بن حيان ، وغيرهما ، وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر .

ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم المدينة ، خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال : يا هؤلاء ، الله الله ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فامحوا الخطأ بالصواب . فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك ، فأقعده حكيم بن جبلة ، وقام زيد بن ثابت ، فأقعده محمد بن أبي قتيرة ، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشيا عليه ، فأدخل داره واستقتل نفر من أهل المدينة مع عثمان ، منهم : سعد بن أبي وقاص ، والحسين بن علي ، وزيد بن ثابت ، وأبو هريرة . فأرسل إليهم عثمان يعزم عليهم بالانصراف ، فانصرفوا ، وأقبل علي ، وطلحة ، والزبير ، فدخلوا على عثمان يعودونه من صرعته ، ويشكون إليه ما يجدون ، وكان عند عثمان نفر من بني أمية فيهم مروان بن الحكم ، فقالوا كلهم لعلي : أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع ، والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا ! فقام مغضبا وعاد هو والجماعة إلى منازلهم . وصلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد ثلاثين يوما ، ثم منعوه الصلاة ، وصلى بالناس أميرهم الغافقي ، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليتمنع به ، وكان الحصار أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح .

وقد قيل : إن محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن أبي حذيفة كانا بمصر يحرضان على عثمان ، وسار محمد بن أبي بكر مع من سار إلى عثمان ، وأقام ابن أبي حذيفة بمصر وغلب عليها لما سار عنها عبد الله بن سعد ، على ما يأتي . فلما خرج المصريون إلى قصد عثمان أظهروا أنهم يريدون العمرة وخرجوا في رجب وعليهم عبد الرحمن بن عديس [ ص: 532 ] البلوي ، وبعث عبد الله بن سعد رسولا إلى عثمان يخبره بحالهم ، وأنهم قد أظهروا العمرة وقصدهم خلعه أو قتله ، فخطب عثمان الناس وأعلمهم حالهم ، وقال لهم : إنهم قد أسرعوا إلى الفتنة واستطالوا عمري ، والله لئن فارقتهم ليتمنون أن عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة مما يرون من الدماء المسفوكة والإحن والأثرة الظاهرة والأحكام المغيرة .

وكان عبد الله بن سعد قد خرج إلى عثمان في آثار المصريين بإذنه له ، فلما كان بأيلة بلغه أن المصريين رجعوا إلى عثمان فحصروه ، وأن محمد بن أبي حذيفة غلب على مصر واستجابوا له ، فعاد عبد الله إلى مصر فمنع عنها ، فأتى فلسطين فأقام بها حتى قتل عثمان .

فلما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عما يكرهون ، ولما رأى عثمان ذلك جاء إلى علي فدخل عليه بيته فقال له : يا ابن عم ، إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي ، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك ، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني ، فإن في دخولهم علي توهينا لأمري وجرأة علي ! فقال علي : على أي شيء أردهم عنك ؟ قال : على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي . فقال علي : إني قد كلمتك مرة بعد أخرى ، فكل ذلك نخرج ونقول ثم ترجع عنه ، وهذا من فعل مروان ، وابن عامر ، ومعاوية ، وعبد الله بن سعد ، فإنك أطعتهم وعصيتني . قال عثمان : فأنا أعصيهم وأطيعك .

فأمر الناس فركب معه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد بن زيد ، وأبو جهم العدوي ، وجبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، ومروان وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي ، وأبو حميد ، وزيد بن ثابت ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومن العرب نيار بن مكرز ، فأتوا المصريين فكلموهم ، وكان الذي يكلمهم علي ومحمد بن مسلمة ، فسمعوا مقالتهم ورجعوا إلى مصر . فقال ابن عديس لمحمد بن مسلمة : أتوصينا بحاجة ؟ قال : نعم ، تتقي الله وترد من قبلك عن إمامهم ، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع . قال ابن عديس : أفعل إن شاء الله . ورجع علي ومن معه إلى المدينة ، فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما في نفسه ، ثم خرج من عنده ، فمكث عثمان ذلك اليوم ، وجاءه مروان بكرة الغد فقال له : [ ص: 533 ] تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا ، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم ويأتيك ما لا تستطيع دفعه . ففعل عثمان ، فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص : اتق الله يا عثمان ، فإنك قد ركبت أمورا وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب . فناداه عثمان : وإنك هنالك يا ابن النابغة ! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل ! فنودي من ناحية أخرى : تب إلى الله . فرفع يديه وقال : اللهم إني أول تائب !

وخرج عمرو بن العاص إلى منزله بفلسطين ، وكان يقول : والله إني كنت لألقى الراعي فأحرضه على عثمان . وأتى عليا وطلحة والزبير فحرضهم على عثمان ، ( فبينما هو بقصره بفلسطين ومعه ابناه محمد وعبد الله ، وسلامة بن روح الجذامي إذ مر به راكب من المدينة ، فسأله عمرو عن عثمان ، فقال : هو محصور . قال عمرو : أنا أبو عبد الله ، قد يضرط العير والمكواة في النار . ثم مر به راكب آخر فسأله فقال : قتل عثمان . فقال عمرو : أنا أبو عبد الله ، إذا حككت قرحة نكأتها . فقال له سلامة بن روح : يا معشر قريش كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه ! فقال : أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعا سواء ) .

وقيل : إن عليا لما رجع من عند المصريين بعد رجوعهم إلى عثمان قال له : تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والأمانة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، فلا آمن أن يجيء ركب آخر من الكوفة والبصرة فتقول : يا علي اركب إليهم ، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك واستخففت بحقك . فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة وقال : أنا أول من اتعظ ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروا في رأيهم ، فوالله لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد ، وما عن الله مذهب إلا إليه ، فوالله لأعطينكم الرضا ولأنحين مروان وذويه ، ولا أحتجب عنكم ! فرق الناس وبكوا حتى أخضلوا لحاهم وبكى هو أيضا .

فلما نزل عثمان وجد مروان وسعيدا ونفرا من بني أمية في منزله لم يكونوا شهدوا [ ص: 534 ] خطبته ، فلما جلس قال مروان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت ؟ فقالت نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان : لا بل اصمت فإنهم والله قاتلوه ومؤثموه ، إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها . فقال لها مروان : ما أنت وذاك ! فوالله قد مات أبوك وما يحسن يتوضأ ! فقالت : مهلا يا مروان عن ذكر ( الآباء ! تخبر ) عن أبي وهو غائب تكذب عليه ، وإن أباك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ؟ أما والله لولا أنه عمه . ( وأنه يناله غمه ) لأخبرتك عنه ما لن أكذب عليه . قالت : فأعرض عنها مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أسكت ؟ قال : تكلم . فقال مروان : بأبي أنت وأمي ، والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ الحزام الطبيين وخلف السيل الزبى ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها أجمل من توبة يخوف عليها ، وأنت إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقر بالخطيئة ، وقد اجتمع بالباب أمثال الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم . فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا ، فقال : ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم لنهب ؟ شاهت الوجوه ! ألا من أريد ؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ! اخرجوا عنا ، والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم . ارجعوا إلى منازلكم فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا . فرجع الناس وأتى بعضهم عليا فأخبره الخبر .

فأقبل علي على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فقال : أحضرت خطبة عثمان ؟ قال : نعم . قال : أفحضرت مقالة مروان للناس ؟ قال : نعم . فقال علي : أي عباد الله ! يا للمسلمين ! إني إن قعدت في بيتي قال لي : تركتني وقرابتي وحقي ، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؟

[ ص: 535 ] والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ! وايم الله إني لأراه يوردك ولا يصدرك ! وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك وغلبت على رأيك .

( فلما خرج علي دخلت عليه امرأته نائلة ابنة الفرافصة فقالت : قد سمعت قول علي وليس يعاودك ، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء . قال : فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة ، وإنما تركك الناس لمكانه ، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة وهو لا يعصى . فأرسل عثمان إلى علي فلم يأته وقال : قد أعلمته أني غير عائد . فبلغ مروان مقالة نائلة فيه ، فجلس بين يدي عثمان فقال : يا ابنة الفرافصة ! فقال عثمان : لا تذكرنها بحرف فأسود وجهك ، فهي والله أنصح لي ! فكف مروان ) .

وأتى عثمان إلى علي بمنزله ليلا وقال له : إني غير عائد ، وإني فاعل . فقال له علي : بعدما تكلمت على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعطيت من نفسك ، ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم . فخرج عثمان من عنده وهو يقول : خذلتني وجرأت الناس علي . فقال علي : والله إني لأكثر الناس ذبا عنك ، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله وتركت قولي .

ولم يعد علي يعمل ما كان يعمل إلى أن منع عثمان الماء . فقال علي لطلحة ( أريد أن ) تدخل عليه الروايا ، وغضب غضبا شديدا حتى دخلت الروايا على عثمان .

قال : وقد قيل إن عليا كان عند حصر عثمان بخيبر ، فقدم المدينة والناس مجتمعون عند طلحة ، وكان ممن له فيه أثر ، فلما قدم علي أتاه عثمان وقال له : أما بعد فإن لي حق الإسلام وحق الإخاء والقرابة والصهر ، ولو لم يكن من ذلك شيء وكنا في الجاهلية لكان عارا على بني عبد مناف أن ينتزع أخو بني تيم ، يعني طلحة أمرهم . فقال له علي : سيأتيك الخبر ، ثم خرج إلى المسجد فرأى أسامة فتوكأ على يده حتى دخل دار طلحة ، وهو [ في ] خلوة من الناس ، فقال له : يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه ؟ فقال يا أبا [ ص: 536 ] الحسن بعدما مس الحزام الطبيين . فانصرف علي حتى أتى بيت المال فقال : افتحوه ، فلم يجدوا المفاتيح ، فكسر الباب وأعطى الناس ، فانصرفوا من عند طلحة حتى بقي وحده ، وسر بذلك عثمان ، وجاء طلحة فدخل على عثمان وقال له : يا أمير المؤمنين أردت أمرا فحال الله بيني وبينه ! فقال عثمان : والله ما جئت تائبا ، ولكن جئت مغلوبا ، الله حسيبك يا طلحة !

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث