الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 376 ] 170 - الحديث الأول : عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن - إنك ستأتي قوما أهل كتاب . فإذا جئتهم : فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم : أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة . فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم : أن الله قد فرض عليهم صدقة ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم . فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم . واتق دعوة المظلوم . فإنه ليس بينها وبين الله حجاب } .

التالي السابق


" الزكاة " في اللغة لمعنيين :

أحدهما : النماء .

والثاني : الطهارة .

فمن الأول . قولهم : زكاة الزرع . ومن الثاني : قوله تعالى { وتزكيهم بها } وسمي هذا الحق زكاة بالاعتبارين . أما بالاعتبار الأول : فبمعنى أن يكون إخراجها سببا للنماء في المال . كما صح { ما نقص مال من صدقة } ووجه الدليل منه : أن [ ص: 377 ] النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب . فلا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه ، على المعنيين جميعا . أعني : المعنوي والحسي في الزيادة . أو بمعنى : أن متعلقها الأموال ذات النماء . وسميت بالنماء لتعلقها به أو بمعنى تضعيف أجورها . كما جاء { إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل . } وأما بالمعنى الثاني : فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل ، أو لأنها تطهر من الذنوب . وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا . أما في حق الدافع : فتطهيره وتضعيف أجوره . وأما في حق الآخذ : فلسد خلته .

وحديث معاذ : يدل على فريضة الزكاة . هو أمر مقطوع به من الشريعة . ومن جحده كفر . وقوله عليه السلام { إنك ستأتي قوما أهل كتاب } لعله للتوطئة والتمهيد للوصية باستجماع همته في الدعاء لهم .

فإن أهل الكتاب أهل علم ، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين ، وعبدة الأوثان في العناية بها والبداءة في المطالبة بالشهادتين : لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به . فمن كان منهم غير موحد على التحقيق - كالنصارى - فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينا . ومن كان موحدا - كاليهود - فالمطالبة له : بالجمع بين ما أقر به من التوحيد ، وبين الإقرار بالرسالة . وإن كان هؤلاء اليهود - الذين كانوا باليمن - عندهم ما يقتضي الإشراك ، ولو باللزوم يكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم . وقد ذكر الفقهاء : أن من كان كافرا بشيء ، مؤمنا بغيره : لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به . وقد يتعلق بالحديث - في أن الكفار غير مخاطبين بالفروع - من حيث إنه إنما أمر أولا بالدعاء إلى الإيمان فقط . وجعل الدعاء إلى الفروع بعد إجابتهم الإيمان . وليس بالقوي ، من حيث إن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيب في الوجوب . ألا ترى أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب ؟ وقد قدمت الصلاة في المطالبة على الزكاة . وأخر الإخبار لوجوب الزكاة عن الطاعة بالصلاة ، مع أنهما مستويتان في خطاب الوجوب . [ ص: 378 ]

وقوله عليه السلام { فإن هم أطاعوا لك بذلك } طاعتهم في الإيمان بالتلفظ بالشهادتين . وأما طاعتهم في الصلاة : فيحتمل وجهين :

أحدهما : أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيتها عليهم ، والتزامهم لها .

والثاني : أن يكون المراد الطاعة بالفعل ، وأداء الصلاة .

وقد رجح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفريضة . فتعود الإشارة بذلك إليها . ويترجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب . فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى . ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالوجوب . وكذلك نقول في الزكاة : لو امتثلوا بأدائها من غير تلفظ بالإقرار لكفى . فالشرط عدم الإنكار ، والإذعان للوجوب ، لا التلفظ بالإقرار . وقد استدل بقوله عليه السلام { أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال . وفيه عندي ضعيف . لأن الأقرب أن المراد : يؤخذ من أغنيائهم من حيث إنهم مسلمون ، لا من حيث إنهم من أهل اليمن . وكذلك الرد على فقرائهم ، وإن لم يكن هذا هو الأظهر فهو محتمل احتمالا قويا . ويقويه : أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر . وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة . ولا يختص بهم قطعا - أعني الحكم - وإن اختص بهم خطاب المواجهة . وقد استدل بالحديث أيضا على أن من ملك النصاب لا يعطى من الزكاة .

وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك ، ومن حيث إنه جعل أن المأخوذ منه غنيا . وقابله بالفقير . ومن ملك النصاب فالزكاة منه ، فهو غني ، والغني لا يعطى من الزكاة إلا في المواضع المستثناة في الحديث . وليس بالشديد القوة . وقد يستدل به من يرى إخراج الزكاة إلى صنف واحد . لأنه لم يذكر في الحديث إلا الفقراء . وفيه بحث . وقد يستدل به على وجوب إعطاء الزكاة للإمام . لأنه وصف الزكاة بكونها " مأخوذة من الأغنياء " فكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة فالحديث ينفيه . ويدل الحديث أيضا على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة ، كالأكولة والربى وهي التي تربي ولدها . والماخض ، وهي الحامل . وفحل الغنم ، وحزرات [ ص: 379 ] المال . وهي التي تحرز بالعين وترمق ، لشرفها عند أهلها . والحكمة فيه : أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء . ولا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال . فسامح الشرع أرباب الأموال بما يضنون به . ونهى المصدقين عن أخذه . وفي الحديث : دليل على عظيم أمر الظلم ، واستجابة دعوة المظلوم ، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عقيب النهي عن أخذ كرائم الأموال . لأن أخذها ظلم . وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث