الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل السنة إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان أن السنة إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا ؟ فنقول وبالله التوفيق : لا خلاف بين أصحابنا في سائر السنن سوى ركعتي الفجر أنها إذا فاتت عن وقتها لا تقضى سواء فاتت وحدها ، أو مع الفريضة ، وقال الشافعي في قول : تقضى قياسا على الوتر ، ولنا ما روت أم سلمة { أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حجرتي بعد العصر فصلى ركعتين فقلت : يا رسول الله ما هاتان الركعتان اللتان لم تكن تصليهما من قبل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر } وفي رواية { ركعتا الظهر شغلني عنهما الوفد فكرهت أن أصليهما بحضرة الناس فيروني ، فقلت : أفأقضيهما إذا فاتتا ؟ فقال : لا } وهذا نص على أن القضاء غير واجب على الأمة ، وإنما هو شيء اختص به النبي صلى الله عليه وسلم ولا شركة لنا في خصائصه وقياس هذا الحديث أن لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا ، إلا أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض لحديث ليلة التعريس ، ولأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة عن طريقته وذلك بالفعل في وقت خاص على هيئة مخصوصة على ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم فالفعل في وقت آخر لا يكون سلوك طريقته ، فلا يكون سنة بل يكون تطوعا مطلقا .

وأما ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض فقد فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم مع الفرض ليلة التعريس فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته ، وهذا بخلاف الوتر ; لأنه واجب عند أبي حنيفة على ما ذكرنا ، والواجب ملحق بالفرض في حق العمل ، وعندهما وإن كان سنة مؤكدة لكنهما عرفا وجوب القضاء بالنص الذي روينا فيما تقدم .

أما سنة الفجر فإن فاتت مع الفرض تقضى مع الفرض استحسانا لحديث ليلة التعريس فإن النبي صلى الله عليه وسلم { لما نام في ذلك الوادي ثم استيقظ بحر الشمس فارتحل منه ثم نزل وأمر بلالا فأذن فصلى ركعتي الفجر ، ثم أمره فأقام فصلى صلاة الفجر } .

وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وقال محمد : تقضى إذا ارتفعت الشمس قبل الزوال ، واحتج بحديث ليلة التعريس أنه صلى الله عليه وسلم { قضاهما بعد [ ص: 288 ] طلوع الشمس قبل الزوال } فصار ذلك وقت قضائهما ، ولهما أن السنن شرعت توابع للفرائض فلو قضيت في وقت لا أداء فيه للفرائض لصارت السنن أصلا ، وبطلت التبعية فلم تبق سنن مؤكدة ; لأنها كانت سنة بوصف التبعية ، وليلة التعريس فاتتا مع الفرض فقضيتا تبعا للفرض ، ولا كلام فيه إنما الخلاف فيما إذا فاتتا وحدهما ، ولا وجه إلى قضائهما وحدهما لما بينا ، ولهذا لا يقضى غيرهما من السنن ولا هما يقضيان بعد الزوال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث