الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف

جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف

270 حدثنا محمد بن بشار بندار حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا فليح بن سليمان حدثني عباس بن سهل عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه قال وفي الباب عن ابن عباس ووائل بن حجر وأبي سعيد قال أبو عيسى حديث أبي حميد حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم أن يسجد الرجل على جبهته وأنفه فإن سجد على جبهته دون أنفه فقد قال قوم من أهل العلم يجزئه وقال غيرهم لا يجزئه حتى يسجد على الجبهة والأنف

التالي السابق


قوله : ( ثنا أبو عامر ) العقدي .

قوله : ( كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته الأرض ) قال في القاموس : مكنته من الشيء أو أمكنته منه فتمكن واستمكن ، وقال في الصراح تمكين باي برجا كردن ، وكذا الإمكان ، يقال مكنه الله من الشيء وأمكنه منه بمعنى ، انتهى ، وفيه أن يضع المصلي جبهته وأنفه في السجود على الأرض ( ونحى يديه ) أي أبعدهما ، من نحى ينحي تنحية ( ووضع كفيه حذو منكبيه ) فيه مشروعية وضع اليدين في السجود حذو المنكبين .

قوله : ( وفي الباب عن ابن عباس ووائل بن حجر وأبي سعيد ) أما حديث ابن عباس فأخرجه الشيخان ولفظه : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا : الجبهة واليدين والركبتين والرجلين . وفي لفظ : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة ، وأشار بيده على أنفه ، واليدين والركبتين والقدمين . وفي رواية أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب : الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين رواه [ ص: 125 ] مسلم والنسائي كذا في المنتقى : وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه أحمد ولفظه : قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده . وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الشيخان وفيه فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته .

قوله : ( حديث أبي حميد حديث حسن صحيح ) وأخرجه أبو داود ، وأخرجه بهذا اللفظ أيضا ابن خزيمة في صحيحه كذا في النيل .

قوله : ( والعمل عليه عند أهل العلم أن يسجد الرجل على جبهته وأنفه ، فإن سجد على جبهته دون أنفه فقال قوم من أهل العلم يجزئه إلخ ) قال النووي في شرح مسلم : في هذه الأحاديث فوائد : منها أن أعضاء السجود سبعة وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها وأن يسجد على الجبهة والأنف جميعا ، فأما الجبهة فيجب وضعها مكشوفة على الأرض ، ويكفي بعضها ، والأنف مستحب ، فلو تركه جاز ولو اقتصر عليه وترك الجبهة لم يجز ، هذا مذهب الشافعي ومالك والأكثرين ، وقال أبو حنيفة وابن القاسم من أصحاب مالك : له أن يقتصر على أيهما شاء . وقال أحمد رحمه الله وابن حبيب من أصحاب مالك : يجب أن يسجد على الجبهة والأنف جميعا لظاهر الحديث : قال الأكثرون : بل ظاهر الحديث أنهما في حكم عضو واحد ; لأنه قال في الحديث سبعة ، فإن جعلا عضوين صارت ثمانية ، وذكر الأنف استحبابا ، انتهى .

قلت : ذهب الجمهور إلى وجوب السجدة على الجبهة دون الأنف . وقال أبو حنيفة : إنه يجزئ السجود على الأنف وحدها . وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم إلى أنه يجب أن يجمعهما وهو قول الشافعي . واستدل الجمهور برواية ابن عباس التي رواها الشيخان وغيرهما بلفظ : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا : الجبهة واليدين والركبتين والرجلين . واستدل أبو حنيفة برواية ابن عباس التي رواها الشيخان بلفظ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة وأشار على أنفه إلخ ، وجه الاستدلال أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف فدل على أنه المراد ، ورده ابن دقيق العيد ، فقال : إن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة ، لأنها قد تعين المشار إليه بخلاف العبارة فإنها معينة . واستدل القائلون بوجوب الجمع [ ص: 126 ] بينهما برواية ابن عباس التي رواها مسلم والنسائي بلفظ : أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب : الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين ; لأنه جعلهما كعضو واحد ولو كان كل واحد منهما عضوا مستقلا للزم أن تكون الأعضاء ثمانية . وتعقب بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحدها ، والجبهة وحدها فيكون دليلا لأبي حنيفة ; لأن كل واحد منهما بعض العضو ، وهو يكفي كما في غيره من الأعضاء ، وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم ، والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة ، ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع ، ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب ، وقد أخرج أحمد من حديث وائل قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده . وأخرج الدارقطني من طريق عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين . قال الدارقطني : الصواب عن عكرمة مرسلا . وروى إسماعيل بن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك . فهذا تلخيص ما في النيل .

قلت : الراجح عندي هو وجوب السجود على مجموع الجبهة والأنف والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث