الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور .

استئناف لإيقاظ المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار الرسل من البلوى ، وتنبيه لهم على أنهم إن كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء بنصر الحق ، وأكد الفعل بلام القسم وبنون التوكيد الشديدة لإفادة تحقيق الابتلاء ، إذ نون التوكيد الشديدة أقوى في الدلالة على التوكيد من الخفيفة .

فأصل " لتبلون " لتبلوونن فلما توالى ثلاث نونات ثقل في النطق فحذفت نون الرفع فالتقى ساكنان : واو الرفع ونون التوكيد الشديدة ، فحذفت واو الرفع لأنها ليست أصلا في الكلمة فصار لتبلون . وكذلك القول في تصريف قوله تعالى " ولتسمعن " وفي توكيده .

[ ص: 190 ] والابتلاء : الاختبار ، ويراد به هنا لازمة وهو المصيبة ، لأن في المصائب اختبارا لمقدار الثبات . والابتلاء في الأموال هو نفقات الجهاد ، وتلاشي أموالهم التي تركوها بمكة . والابتلاء في الأنفس هو القتل والجراح . وجمع مع ذلك سماع المكروه من أهل الكتاب والمشركين في يوم أحد وبعده .

والأذى هو الضر بالقول كقوله تعالى لن يضروكم إلا أذى كما تقدم آنفا ، ولذلك وصفه هنا بالكثير ، أي الخارج عن الحد الذي تحتمله النفوس غالبا ، وكل ذلك مما يفضي إلى الفشل ، فأمرهم الله بالصبر على ذلك حتى يحصل لهم النصر ، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثه وتأييده ، فأما الصبر على الابتلاء في الأموال والأنفس فيشمل الجهاد ، وأما الصبر على الأذى ففي وقتي الحرب والسلم ، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفار حتى تكون منسوخة بآيات السيف ، لأن الظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة أحد ، وهي بعد الأمر بالقتال . قاله القفال .

وقوله " فإن ذلك " الإشارة إلى ما تقدم من الصبر والتقوى بتأويل : فإن المذكور . و عزم الأمور من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العزم ، ووصف الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأن أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة ، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول ، أي من الأمور المعزوم عليها . والعزم إمضاء الرأي وعدم التردد بعد تبيين السداد . قال تعالى وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله والمراد هنا العزم في الخيرات قال تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وقال ولم نجد له عزما .

ووقع قوله فإن ذلك من عزم الأمور دليلا على جواب الشرط ، والتقدير : وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإن ذلك من عزم الأمور .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث