الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعليق ابن تيمية

قلت: هذا الثاني هو ما ذكره أبو المعالي، فإن إثبات الصانع إثبات لوجوده، وإلا فصانع منتف كنفي الصانع، وأما الأول فهو وإن كان صحيحا، لكن النتيجة أبين من المقدمات، فإن العلم بأن الصانع لا يكون إلا موجودا أبين من العلم بثبوت صفاته، وبأن الموصوف لا يكون إلا [ ص: 110 ] موجودا، ولهذا أقر بوجوده طوائف أنكروا قيام الصفات به، وإذا قرروا قيام الصفات به فكون الفاعل لا يكون إلا موجودا أبين من كون ما تقوم به الصفة لا يكون إلا موجودا، وكلاهما معلوم بالضرورة، لكن الفاعل الذي يبدع غيره أحق بالوجود، وكما أن الوجود من محل الصفة فإن محل الصفة قد يكون جمادا، وقد يكون حيوانا، وقد يكون قادرا، وقد يكون عاجزا، والصفة أيضا قد تقوم بها الصفة عند كثير من الناس، بشرط قيامهما جميعا بمحل آخر، فالصفة وإن كانت مفتقرة إلى محل وجودي فهو من باب الافتقار إلى المحل القابل. وأما المفعول المفتقر إلى الفاعل فهو من باب الافتقار إلى الفاعل.

ومعلوم أن الحاجة إلى الفاعل فيما له فاعل أقوى من الحاجة إلى القابل فيما له قابل. وأيضا فإن القابل شرط في المقبول لا يجب تقدمه عليه، بل يجوز اقترانهما، بخلاف الفاعل، فإنه لا يجوز أن يقارن المفعول، بل لا بد من تقدمه عليه. ولهذا اتفق العقلاء على أنه لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر، لا بمعنى كونه علة فاعلة ولا بغير ذلك من المعاني، وأما كون كل من الشيئين شرطا للآخر فإنه يجوز، وهذا هو الدور المعي، وذاك هو الدور القبلي، وقد بسط هذا في غير [ ص: 111 ] الموضع، وبين ما دخل على الفلاسفة من الغلط في مسائل الصفات من هذا الوجه، حيث لم يميزوا بين الشرط والعلة الفاعلة، بل قد يجعلون ذلك كله علة، إذ العلة عندهم يدخل فيها الفاعل والغاية، وهما العلتان المفصلتان اللتان بهما يكون وجود المعلول والقابل، الذي قد يسمى مادة وهيولى مع الصورة، وهما علتا حقيقة الشيء في نفسه، سواء قيل إن حقيقته غير العين الموجودة في الخارج كما يدعون ذلك، أو قيل هي هي كما هو المعروف عن متكلمي أهل السنة.

والمقصود هنا أن الدليل لما دل على أنه لا بد من موجود واجب بنفسه، أي لا يكون له فاعل يوجده: لا علة فاعلة، ولا ما يسمى فاعلا غير ذلك، صاروا يطلقون عليه الواجب بنفسه، ثم أخذوا ما يحتمله هذا اللفظ من المعاني، فأرادوا إثباتها كلها، فصاروا ينفون الصفات، وينفون أن يكون له حقيقة موصوفة بالوجود، لئلا تكون الذات متعلقة بصفة، فلا تكون واجبة بنفسها. ومعلوم أن كون الذات مستلزمة لصفة كمال يمتنع [ ص: 112 ] تحققها بدونها، لا يوجب افتقارها إلى فاعل أو علة فاعلة، ولكن غاية ما فيه أن تكون الذات مشروطة بالصفة والصفة مشروطة بالذات، وأن تكون الصفة إذا قيل بأنها واجبة لا تقوم إلا بموصوف، فإذا قيل: هذا فيه افتقار الواجب إلى غيره، لم يلزم أن يكون ذلك الغير فاعلا، ولا علة فاعلة، بل إذا قدر أنه يطلق عليه غير، فإنما هو شرط من الشروط، وكون الذات مشروطة بالصفة اللازمة لها، والصفة مشروطة بالذات، لا يمنع أن يكون الجميع واجبا بنفسه لا يفتقر إلى فاعل، ولا إلى علة فاعلة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.

والمقصود أنه إذا كان قد علم أن الصفة المشروطة بمحلها تقتضي أن يكون محلها موجودا، فالمفعول المفتقر إلى فاعل موجب يقتضي أن يكون فاعله موجودا بطريق الأولى.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث