الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      يوم يجمعكم ظرف لتنبؤن وقوله تعالى : وذلك على الله يسير وقوله سبحانه : فآمنوا إلى خبير من الاعتراض ، فالأول يحقق القدرة على البعث ، والثاني يؤكد ما سيق له الكلام من الحث على الإيمان به وبما تضمنه من الكتاب وبمن جاء به ، وبالحقيقة هو نتيجة قوله تعالى : لتبعثن ثم لتنبؤن قدم على معموله للاهتمام فجرى مجرى الاعتراض ، وقوله سبحانه : والله بما تعملون خبير اعتراض في اعتراض لأنه من تتمة الحث على الإيمان كما تقول : اعمل إني غير غافر عنك ، وقال الحوفي : ظرف - لخبير - وهو عند غير واحد من الأجلة بمعنى مجازيكم فيتضمن الوعد والوعيد .

                                                                                                                                                                                                                                      وجعله الزمخشري بمعنى معاقبكم ، ثم جوز هذا الوجه ، وتعقب بأنه يرد عليه أنه ليس لمجرد الوعيد بل للحث كيف لا والوعيد قد تم بقوله تعالى : لتنبؤن بما عملتم فلم يحسن جعله بمعنى معاقبكم فتدبر ، وجوز كونه منصوبا بإضمار اذكر مقدرا ، وتعقب بأنه وإن كان حسنا إلا أنه حذف لا قرينة ظاهرة عليه ، وجوز كونه ظرفا لمحذوف بقرينة السياق أي يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال يوم يجمعكم ، وتعقب بأن فيه ارتكاب حذف لا يحتاج إليه ، فالأرجح الوجه الأول ، وقرئ «يجمعكم » بسكون العين ، وقد يسكن الفعل المضارع المرفوع مع ضمير جمع المخاطبين المنصوب ، وروي إشمامها الضم ، وقرأ سلام ويعقوب وزيد بن علي والشعبي «نجمعكم » بالنون ليوم الجمع ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، وقيل : الملائكة عليهم السلام والثقلان ، وقيل : غير ذلك ، والأول أظهر ، واللام قيل : للتعليل ، وفي الكلام مضاف مقدر أي لأجل ما في يوم الجمع من الحساب ، وقيل : بمعنى في فلا تقدير ذلك يوم التغابن أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنهم قالوا : يوم غبن فيه أهل الجنة وأهل النار فالتفاعل فيه ليس على ظاهره كما في التواضع والتحامل لوقوعه من جانب واحد ، واختير للمبالغة ، وإلى هذا ذهب الواحدي .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال غير واحد : أي يوم غبن فيه بعض الناس بعضا بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس ، ففي الصحيح «ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة » وهو مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وفيه تهكم بالأشقياء لأنهم لا يغبنون حقيقة السعداء بنزولهم في منازلهم من النار ، أو جعل ذلك تغابنا مبالغة على طريق المشاكلة فالتفاعل على هذا [ ص: 124 ]

                                                                                                                                                                                                                                      القول على ظاهره وهو حسن إلا أن التغابن فيه تغابن السعداء والأشقياء على التقابل ، والأحسن الإطلاق ، وتغابن السعداء على الزيادة ثبت في الصحاح ، واختار ذلك محيي السنة حيث قال : التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ ، والمراد بالمغبون من غبن في أهله ومنازله في الجنة فيظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان ، قال الطيبي : وعلى هذا الراغب حيث قال : الغبن أن يبخس صاحبك في معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء فإن كان ذلك في مال يقال : غبن فلان بضم الغين وكسر الباء ، وإن كان في رأي يقال : غبن بفتح الغين وكسر الباء ، و " يوم التغابن " يوم القيامة لظهور الغبن في المبايعة المشار إليها بقوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله [البقرة : 207] وقوله سبحانه : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم [التوبة : 111] وقوله عز وجل : الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا [آل عمران : 77] فعلم أنهم قد غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعا . انتهى ، والجملة مبتدأ وخبر ، والتعريف للجنس ، وفيها دلالة على استعظام ذلك اليوم وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن جلت وعظمت .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا أي عملا صالحا يكفر أي الله تعالى عنه سيئاته في ذلك اليوم ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا أي مقدرين الخلود فيها ، والجمع باعتبار معنى " من " كما أن الإفراد باعتبار لفظه ، وقرأ الأعرج وشيبة وأبو جعفر وطلحة ونافع وابن عامر والمفضل عن عاصم وزيد بن علي والحسن بخلاف عنه - نكفر . وندخله - بنون العظمة فيهما ذلك أي ما ذكر من تكفير السيئات وإدخال الجنات الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه لانطوائه على النجاة من أعظم الهلكات والظفر بأجل الطلبات .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية