الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فرع ) التقليد هو الأخذ بقول الغير من غير معرفة دليله والذي عليه الجمهور أنه يجب على من ليس فيه أهلية الاجتهاد أن يقلد أحد الأئمة المجتهدين سواء كان عالما أو ليس بعالم وقيل : لا يقلد العالم وإن لم يكن مجتهدا ; لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل .

( فرع ) قال القرافي في شرح المحصول : قال إمام الحرمين : أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب الصحابة رضي الله عنهم بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظروا وبوبوا ; لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يعتنوا بتهذيب المسائل والاجتهاد وإيضاح طرق النظر بخلاف من بعدهم ثم قال القرافي : ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم ; لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها فإذا أطلقوا حكما في موضع وجد مكملا في موضع آخر وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة فلعل لها مكملا أو مقيدا أو مخصصا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير في تقليده على غير ثقة بخلاف هؤلاء الأربعة قال : وهذا توجيه حسن فيه ما ليس في كلام إمام الحرمين .

ثم أورد عليه أنه يلزم عليه عدم جواز نقل مذاهبهم لعدم انضباطها فلعل ما ننقله عنهم لو جمعت شروطه صار موافقا لما نجعله مخالفا له قال : ويمكن الجواب بأن أمر النقل خفيف بالنسبة للعمل فإنه قد يكون المقصود منه الاطلاع على وجوه الفقه والتنبيه على المدارك وعدم الوفاق فيوجب ذلك التوقف عن أمور والبحث عن أمور .

وقال ابن برهان : تقليد الصحابة يتخرج على جواز الانتقال في المذاهب فمن منعه لأن مذاهب الصحابة لم تكثر فروعها حتى يمكن لمقلد الاكتفاء به طول عمره انتهى باختصار . وأكثره باللفظ وذكر البرزلي أن ابن العربي سأل الغزالي عمن قلد الشافعي مثلا وكان مذهبه مخالفا لأحد الخلفاء الأربعة أو غيرهم من الصحابة فهل له اتباع الصحابة لأنهم أبعد عن الخطأ ولقوله صلى الله عليه وسلم [ ص: 31 ] { اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر } وعمر فأجاب أنه يجب عليه أن يظن بالشافعي أنه لم يخالف الصحابي إلا لدليل أقوى من مذهب الصحابي وإن لم يظن .

هذا فقد نسب الشافعي للجهل بمقام الصحابي وهو محال وهذا سبب ترجيح مذهب المتأخرين على المتقدمين مع العلم بفضلهم عليهم لكون المتقدمين سمعوا الأحاديث آحادا وتفرقوا في البلاد فاختلفت فتاويهم وأقضيتهم في البلاد وربما بلغتهم الأحاديث فوقفوا عما أفتوا به وحكموا ولم يتفرغوا لجمع الأحاديث لاشتغالهم بالجهاد وتمهيد الدين فلما أنهى فتاويهم الناس إلى تابعي التابعين وجدوا الإسلام مستقرا ممهدا فصرفوا هممهم إلى جمع الأحاديث ونظروا بعد الإحاطة بجميع مدارك الأحكام ولم يخالفوا ما أفتى به الأول إلا لدليل أقوى منه وهذا لم يسم في المذاهب بكريا ولا عمريا . انتهى مختصرا .

ثم ذكر البرزلي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه سئل عمن صح عنده مذهب أبي بكر أو غيره من علماء الصحابة في شيء فهل يعدل إلى غيره أم لا فأجاب بأنه إذا صح عن عصر الصحابة مذهب في حكم من الأحكام فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل أوضح من دليله ولا يجب على المجتهدين تقليد الصحابة في مسائل الخلاف بل لا يحل ذلك في وضوح أدلتهم على أدلة الصحابة انتهى . وهذا مخالف لما تقدم وهو أيضا مبني على مذهبه من جواز الانتقال من مذهب إلى مذهب كما سيأتي ثم ذكر عن المازري أنه سئل هل يسوع الأخذ بقول ابن المسيب أن المبتوتة تحل بالعقد ؟ فأجاب بأني سئلت عن هذه المسألة حين وقعت لشخص قرأ علي في شيء من الأصول وجاءني سؤال من قبل قاضي تونس وفقهائها فأكثرت النكير عليه وبالغت حتى أظن أني سمحت لهم في عقوبته وذكرت لهم أن هذا باب انفتح حدث منه خروق من الديانات وإني رأيت من الدين الجازم والأمر الحاتم أن أنهى عن الخروج عن مذهب مالك وأصحابه حماية للذريعة ولو ساغ هذا لقال رجل : أنا أبيع دينارا بدينارين مقلدا لما روي عن ابن عباس وآخر إني أتزوج من غير ولي ولا شهود مقلدا في الولي لأبي حنيفة وفي الشهود لمالك وبدانق مقلدا للشافعي وهذا عظيم الموقع في الضرر وهب أني أبحت لهذا السائل أن يفعل في نفسه فنكاحه لا يخفى فهو أولى بالحسم من غيره وقضاة بلده وفقهاؤهم لا يأخذون بذلك بل يفسخونه ولا تسمح أنفسهم بترك مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة لاتفاق الأمصار على تقليدهم انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث