الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سخرية المقلدين بالمحدثين ونبذهم بالألقاب القبيحة

سخرية المقلدين بالمحدثين ونبذهم بالألقاب القبيحة

وقد بلغ عناد المقلدين مع المحدثين إلى غاية [أنهم ] سموهم : لا مذهب ، وحشوية ، ومجسمة .

وهذه الألقاب منهم لهم بمنزلة ما لقب به المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من الشاعر ، والمجنون ، والمذمم ، والكاهن ، والساحر ، ونحوها ، فما أشبه الليلة بالبارحة! [ ص: 160 ] وهم - بحمد الله تعالى - لهم المذهب الذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأصحابه ، وعترته .

وليس لهم تلك المذاهب مشارب لهم . معدلون على لسان نبي الأمة ورسول الرحمة ، دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصرة ، وهم حملة علومه ، ونقلة ملته ، ووعاة سننه ، ووعاء دينه . وغيرهم المبطلون والغالون والجاهلون .

وهم ينفون عن دين الحق انتحالهم ، وتحريفهم ، وتأويلهم - ولله الحمد - . وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون [الشعراء : 227] . رواه البيهقي في «المدخل» ، ورزين في «كتابه عن ابن الديلمي ، وهو من التابعين - رضي الله عنه - .

قيل : هو أبو عبد الله ، وقيل : أبو عبد الرحمن . وقيل : الضحاك فيروز الديلمي . والله أعلم .

قال : أتيت أبي بن كعب ، فقلت له : قد وقع في نفسي شيء من القدر . أي حزازة واضطراب من الشبهة والشك في أمره; لأن الأمور كلها إن كانت بالقضاء والقدر ، فما هذا الأمر والنهي ، والثواب والعقاب ؟

وأشار بقوله : «في نفسي» [إلى] أن هذا من قبيل الوسوسة ، وحكاية النفس ، وحديث الخاطر ، فحدثني; أي : بحديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، أو قل لي كلاما من قبل قلبك ، لعل الله أن يذهبه من قلبي ، ويدفع عني شره ، ويزيل هذا الشك من خاطري .

فقال : لو أن الله - عز وجل - عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، عذبهم وهو غير ظالم لهم» ; أي : لأنه - جل وعلا - مالك الملك على الإطلاق ، وكلهم عبيده ، وكلها ملكه ، وتصرف المالك في ملكه ومماليكه لا يكون ظلما ، ولو رحمهم ، كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم .

ثم أشار إلى أن الإيمان بالقدر في جميع الكائنات عموما ، وفي أحوال نفس [ ص: 161 ] الآدمي خصوصا ، واجب من الواجبات ، ولا يساويه عمل من الأعمال الصالحات ، وإن كانت أشد عظمة ، وخارجة من قدرة البشر ، وهو شرط لدخول الجنة .

فقال : ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر . أحد : جبل بقرب المدينة المنورة ، وهو تمثيل على سبيل الفرض ، لا تحديد ، إذ لو فرض انفاق ما في السماوات والأرض ، لكان كذلك : وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك; أي : يجاوزك ، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، فلا تقل لشيء أصابك : إنه أصاب بسعيي وجهدي ، وما لم يصبك ، فلا تقل : لو سعيت وجهدت لأصابك ، بل اعلم أن الإصابة والخطأ كليهما بقضاء الله وقدره - تعالى شأنه - ، ولو مت على غير هذا الحال والاعتقاد والإيمان بالقدر ، لدخلت النار ، وإن كنت عاملا صالحا .

قال : ثم أتيت عبد الله بن مسعود ، فقال مثل ذلك . قال : ثم أتيت حذيفة بن اليمان ، صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال مثل ذلك . ثم أتيت زيد بن ثابت ، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل ذلك . رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والحاكم ، وصححه .

قال في الترجمة : ومن هنا علم أن هذا الحديث هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حدث به أبي ، وابن مسعود ، وحذيفة . ولكن لم يرفعوه إليه صلى الله عليه وسلم ، ولم يسندوه . ورفعه وأسنده زيد بن ثابت .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : مذهب أهل السنة والجماعة : أن الله سبحانه خالق كل شيء ، وربه ، ومليكه ، لا رب غيره ، ولا خالق سواه . ما شاء كان ، وما لم يشأ [لم] يكن ، وهو على كل شيء قدير ، وبكل شيء عليم .

[ ص: 162 ] والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله ، منهي عن معصية الله ، ومعصية رسوله .

فإن أطاع ، كان ذلك نعمة من الله أنعم بها عليه ، وكان له الأجر والثواب بفضل الله ورحمته .

وإن عصى ، كان مستحقا للذم والعقاب ، وكان الله عليه الحجة البالغة ، ولا حجة لأحد على الله ، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته .

لكنه يحب الطاعة ، ويأمر بها ، ويثيب أهلها ، ويكرمهم ، ويبغض المعصية ، وينهى عنها ، ويعاقب أهلها ويهينهم .

وما يصيب العبد من النعم ، فالله أنعم بها عليه ، وما يصيبه من الشر ، فبذنوبه ومعاصيه ، كما قال تعالى : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .

وقال تعالى : ما أصابك من حسنة ; أي خصب ونصر وهدى فمن الله ; أي : فالله أنعم به عليك ، وما أصابك من سيئة ; أي : من جدب وذل وشر فمن نفسك ; أي فبذنوبك وخطاياك ، وكل الأشياء كائنة بمشيئة الله وقدرته وخلقه . ولا بد أن يؤمن العبد بقضاء الله وقدره ، وأن يؤمن بشرع الله ، وأمره ونهيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث