الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( مسائل الشرب )

. لما فرغ من ذكر إحياء الموات ذكر ما يتعلق به من مسائل الشرب ; لأن إحياء الموات يحتاج إليه وقدم فصل المياه على غيره ; لأن المقصود هو الماء لا يقال إذا كان الشرب مما يحتاج إليه إحياء الموات كان اللائق تقديم مسائل الشرب على مسائل إحياء الموات قلنا لأصالته وكثرة فروعه يستحق التقديم على الشرب قال في المحيط : يحتاج إلى معرفة مشروعية حق الشرب وتفسيره لغة وشرعا وركنه وشرطه وحكمه :

أما مشروعيته فلقوله صلى الله عليه وسلم { إذا بلغ الوادي الكعبين لم يكن لأهل الأعلى أن يحبسوه عن أهل الأسفل } ، وأما تفسيره لغة فهو عبارة عن النصيب من الماء لقوله تعالى { كل شرب محتضر } أراد بالشرب النصيب من الماء ولقوله تعالى { لها شرب } أي نصيب وفي الشرع النصيب من الماء للأراضي لا لغيرها .

وأما ركنه فهو الماء ; لأن الشرب يقوم به . وأما شرط حله أن يكون ذا حظ من الشرب وأما حكمه فالإرواء ; لأن حكم الشيء ما يفعل لأجله وإنما شرب الأرض لتروى ا هـ .

قال رحمه الله ( هو نصيب الماء ) قال الشارح : أي الشرب بالكسر هو النصيب والماء والصواب هو النصيب من الماء ولك أن تقول ما ذكره المؤلف المعنى اللغوي وهو لا يليق ذكره في المتون قال رحمه الله . ( الأنهار العظام كدجلة و الفرات غير مملوكة ولكل أن يستقي أرضه ويتوضأ به ويشرب وينصب الرحا عليه ويكري نهرا منها إلى أرضه إن لم يضر بالعامة ) لقوله عليه الصلاة والسلام { الناس شركاء في ثلاث في الماء والنار والكلأ } ولأن هذه الأنهار ليس لأحد فيها يد على الخصوص ; لأن قهر الماء يمنع قهر غيره فلا يكون محرزا في الملك بالإحراز فإذا لم يكن مملوكا كان مشتركا والمراد بالماء في الحديث ما ليس بمحرز فإن المحرز قد ملكه فخرج عن كونه مباحا كالصيد إذا أحرزه لا يجوز لأحد أن ينتفع به إلا بإذنه وشرط لجواز الانتفاع أن لا يضر بالعامة فإن كان يضر بالعامة ليس له الكري ونصب الرحا ; لأن الانتفاع بالمباح لا يجوز إلا إذا كان لا يضر بالعامة كالشمس والقمر والهواء ، والمراد بالكلأ الحشيش الذي ينبت بنفسه من غير أن ينبته أحد ومن غير أن يزرعه ويسقيه فيملكه من قطعه ، وأحرزه وإن كان في أرض غيره والمراد بالنار الاستضاءة بنورها والاصطلاء بها وإلا يقاد من لهبها فليس لأحد أن يمنع من ذلك إذا كان في الصحراء بخلاف ما لو أراد أن يأخذ جمرة ; لأنه ملكه ويتضرر بذلك فكان له منعه كسائر أملاكه ا هـ .

قال رحمه الله ( وفي الأنهار المملوكة والآبار والحياض لكل شربه وسقي دوابه لا أرضه ، وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور يمنع ) وإنما كان له حق الشرب وسقي الدواب لما روينا ولأن الأنهار والآبار والحياض لم توضع للإحراز والمباح لا يملك إلا بالإحراز ولكن المسافر لا يمكنه أن يأخذ ما يوصله إلى مقصده فيحتاج أن يأخذ مما يمر عليه مما ذكر ما يحتاج إليه لنفسه ودوابه وصاحبه فلو منع من ذلك لحقه ضرر عظيم وهو مدفوع شرعا بخلاف سقي الأراضي حيث يمنع وإن لم يكن فيه ضرر لأن في إباحة ذلك إبطال حق صاحب الأنهار إذ لا نهاية لذلك فتذهب منفعة صاحب الأنهار فيلحقه بذلك ضرر بخلاف سقي الدواب ; لأن مثله لا يلحقه به ضرر حتى لو تحقق فيه الضرر يمنع وهو المراد بقوله ، وإن خيف تخريب النهر لكثرة البقور ; لأن الحق لصاحبه على الخصوص وإنما أثبتنا ما ذكرنا لغيره للضرورة فلا معنى لإبقائه على وجه يضر بصاحبه قال في [ ص: 243 ] الهداية ولهم الشرب وإن شربوا الماء كله . ا هـ .

وفي المحيط ولو أراد صاحب الأرض أن يغرف بالجرة فلصاحب الملك أن يمنعه من الدخول وإن لم يجد يقال لصاحب الملك : إما أن تعطيه الماء وإما أن تمكنه من الدخول بشرط أن لا يكسرها في النهر قالوا هذا إذا كان في أرض مملوكة فأما إذا حفر في أرض موات لم يكن لصاحب النهر منعه من الدخول إذا كان لا يكسر مسناة النهر ; لأن الأرض كانت مشتركة بين الناس كافة فأما إذا أحياها إنسان لم تنقطع الشركة في الدخول لأهل الشفعة ويجوز أن تكون رقبة الشيء لإنسان وللآخر فيه حق الدخول ا هـ .

وفيه أيضا رجل له ماء يجري إلى مزرعته فيجيء رجل ويسقي دوابه حتى ينفذ الماء كله هل لصاحب النهر أن يمنعه قال ليس له ذلك ا هـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث