الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لمن أهدى شيئا من الإبل والبقر أن يشعره ويقلده

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( فإن كان من الإبل والبقر فالمستحب أن يشعرها في صفحة سنامها الأيمن ويقلدها نعلين ، لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم { صلى الظهر في ذي الحليفة ثم أتى ببدنة فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، ثم سلت الدم عنها ثم قلدها نعلين } ولأنه ربما اختلط بغيره ، فإذا أشعر وقلد تميز ، وربما ند فيعرف بالإشعار والتقلد فيرد . وإن كان غنما قلده ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم { أهدى مرة غنما مقلدة ، وتقلد الغنم خرب القرب } لأن الغنم يثقل عليها حمل النعال ، ولا يشعرها لأن الإشعار لا يظهر في الغنم لكثرة شعرها وصوفها ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه مسلم بلفظه ، وحديث عائشة رواه مسلم بلفظه والبخاري بمعناه . وقوله " يشعرها " بضم الياء ، وأصل الإشعار الإعلام . وقوله " صفحة سنامها الأيمن " كان ينبغي أن يقول اليمنى ، لأن الصفحة مؤنثة ، وهذا وصف لها ، ولكن قد ثبت في صحيح مسلم في حديث ابن عباس " هذا صفحة سنامها الأيمن " فيتعين تأويله ، وهو أن يكون المراد بالصفحة الجانب . وخرب القرب - بضم الخاء المعجمة وفتح الراء ، وهي عراها واحدتها خربة كركبة وركب . وقوله " ند " هو بفتح النون وتشديد الدال - أي هرب .

( أما الأحكام ) فاتفق الشافعي والأصحاب على أنه يسن لمن أهدى شيئا من الإبل والبقر أن يشعره ويقلده ، فيجمع بين الإشعار والتقليد ، وأنه إذا أهدى غنما قلدها ولا يشعرها . [ ص: 322 ] قال أصحابنا : ويستحب كون الإشعار والتقليد في الجميع والهدي مستقبل القبلة ، وصح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وهذا كله لا خلاف فيه وأما قول المصنف في التنبيه : ويقلد البقر والغنم ولا يشعرها ، فجعل البقر كالغنم فغلط للذهول لا أنه تعمده ، وأنه وجه في المذهب وقد نبهت عليه في التحرير في صحيح التنبيه والله أعلم .

ولا فرق فيما ذكرناه بين هدي التطوع والمنذور قال المصنف والأصحاب : المراد بالإشعار هنا أن يضرب صفحة سنامها اليمنى بحديدة ، وهي باردة مستقبلة القبلة فيدميها ثم يلطخها بالدم ، لما ذكره المصنف ، قالوا وتقليد الإبل والبقر يكون بنعلين من هذه النعال التي تلبس في الرجلين في الإحرام ، ويستحب أن يكون له قيمة ويتصدق بها بعد ذبح الهدي ، وتقليد الغنم بخرب القرب ، وهي عراها وآذانها ، والخيوط المفتولة ونحوها ، قالوا : ولا يقلدها النعل ولا يشعرها لما ذكره المصنف ، ولو ترك التقليد والإشعار فلا شيء عليه لكن فاته الفضيلة . ويجوز في الإبل والبقر تقديم الإشعار على التقليد وعكسه . وفي الأفضل وجهان ( أحدهما ) وهو نص الشافعي تقديم التقليد أفضل ( والثاني ) تقديم الإشعار أفضل . حكاه صاحب الحاوي عن أصحابنا كلهم ولم يذكر فيه خلافا ، وصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح الأول عن ابن عمر من فعله . رواه مالك في الموطأ والبيهقي .

( فرع ) قد ذكرنا أنه يستحب كون الشعار في صفحة السنام اليمنى . نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب . فلو أهدى بعيرين مقرونين في حبل قال أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع ، والروياني في البحر : يشعر أحدهما في الصفحة اليمنى والآخر في اليسرى ليشاهد ، والله أعلم .

[ ص: 323 ] فرع ) قال الماوردي : قال الشافعي : فإن لم يكن للبقرة والبدنة سنام أشعر موضع سنامها .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإشعار والتقليد في الإبل والبقر ، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف . وهو مذهب مالك وأحمد وأبي يوسف ومحمد وداود . قال الخطابي : قال جميع العلماء : الإشعار سنة . ولم ينكره أحد غير أبي حنيفة ، وقال أبو حنيفة : الإشعار بدعة ، ونقل العبدري عنه أنه قال : هو حرام لأنه تعذيب للحيوان ومثلة ، وقد نهى الشرع عنهما . واحتج أصحابنا بحديث عائشة رضي الله عنها قالت { فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ، ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا } رواه البخاري ومسلم . وعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية من المدينة مع بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كان بذي الحليفة قلد النبي صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بعمرة } رواه البخاري . وعن ابن عباس قال { صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج } رواه مسلم ورواه أبو داود بإسناد صحيح وقال : { ثم سلت الدم بيديه } وفي رواية { بأصبعيه } . وعن نافع " أن ابن عمر كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة ، يقلده قبل أن يشعره ، وذلك في مكان واحد وهو موجه للقبلة يقلده نعلين ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا فإذا قدم في غداة نحره " رواه مالك في الموطأ عن نافع فهو صحيح بالإجماع .

[ ص: 324 ] وعن مالك عن نافع أن ابن عمر " كان يشعر بدنة من الشق الأيسر إلا أن يكون صعابا مقرنة ، فإذا لم يستطع أن يدخل منها أشعر من الشق الأيمن ، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة ، وإذا أشعرها قال : باسم الله والله أكبر وأنه كان يشعرها بيده وينحرها بيده قياما " وروى مالك والبيهقي وغيرهما بالإسناد الصحيح عن ابن عمر أنه قال " الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة " وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن عائشة " لا هدي إلا ما قلد ووقف به بعرفة " وبإسناده الصحيح عنها قالت " إنما تشعر البدنة ليعلم أنها بدنة " وأما الجواب على احتجاجهم بالنهي عن المثلة وعن تعذيب الحيوان فهو أن ذلك عام " وأحاديث الإشعار خاصة فقدمت . وأجاب الشيخ أبو حامد بجواب آخر ، وهو أن النهي عن المثلة كان عام غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة والإشعار كان عام الحديبية سنة ست ، وعام حجة الوداع سنة عشر فكان ناسخا ، والمختار هو الجواب الأول ، لأن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع والتأويل ، ولأن النهي عن المثلة باق . والله أعلم .

( فرع ) قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب الإشعار في صفحة السنام اليمنى ، وبه قال أحمد وداود . وقال ابن عمر ومالك وأبو يوسف : يشعرها في الصفحة اليسرى دليلنا حديث ابن عباس السابق في الفرع قبله .

( فرع ) ذكرنا أن مذهبنا إشعار البقر مطلقا ، فإن كان لها سنام أشعرت فيه وإلا ففي موضعه ، وقال مالك : إن كان لها سنام أشعرت فيه ، وإلا فلا إشعار .

( فرع ) مذهبنا تقليد الغنم للأحاديث السابقة . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يستحب .

[ ص: 325 ] فرع ) يستحب فتل قلائد الهدي لحديث عائشة قالت { فتلت قلائد بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم أشعرها وقلدها ثم بعث بها إلى البيت وأقام بالمدينة فما حرم عليه شيء كان له حلالا } رواه البخاري ومسلم وفي رواية { كنت أفتل القلائد للنبي صلى الله عليه وسلم فيقلد الغنم ، ويقيم في أهله حلالا } رواه البخاري ومسلم .

( فرع ) إذا قلد الهدي وأشعره لم يصر هديا واجبا على المذهب الصحيح المشهور الجديد بل يبقى سنة ، كما قبل التقليد والإشعار ، وفيه قول شاذ أنه يصير واجبا كما لو نذره باللفظ ، وسيأتي إيضاح المسألة حيث ذكرها المصنف في أول كتاب النذر .

( فرع ) إذا قلد هديه وأشعره لا يصير محرما بذلك ، وإنما يصير محرما بنية الإحرام ، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة . ونقل الشيخأبو حامد عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا : يصير محرما بمجرد تقليد الهدي .

وهذا النقل الذي ذكره أبو حامد وتابعه عليه الأصحاب فيه تساهل ، وإنما مذهب ابن عباس أنه إذا قلد هديه حرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه ، وكذا مذهب ابن عمر إن صح عنه في هذه المسألة شيء ، ودليل ما ذكرته حديث عمرة بنت عبد الرحمن { أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة أن عبد الله بن عباس قال : من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه ، قالت عمرة : قالت عائشة : ليس كما قال ابن عباس ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي } رواه البخاري ومسلم . وفي رواية مسلم " أن ابن زياد كتب إلى عائشة " وفي رواية لمسلم { أنا فتلت تلك القلائد من عهن كان عندنا فأصبح فينا رسول الله حلالا [ ص: 326 ] يأتي ما يأتي الحلال من أهله أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله } وفي رواية لمسلم عن عروة وعمرة أن عائشة قالت : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدي من المدينة فأفتل قلائد هديه ثم لا شيء مما يتجنب المحرم } . وعن الأسود عن عائشة مثله ، والله أعلم .

( فرع ) السنة أن يقلد هديه ويشعره عند إحرامه ، سواء أحرم من الميقات أو قبله للأحاديث السابقة ، والله أعلم .

( فرع ) يستحب لمن لم يرد الذهاب إلى الحج أن يبعث هديا للأحاديث الصحيحة السابقة . ويستحب أن يقلده ويشعره من بلده بخلاف من يخرج بهديه فإنه إنما يشعره ويقلده حين يحرم من الميقات أو غيره كما ذكرنا في الفرع قبله ، ودليل الجميع الأحاديث السابقة ، والله أعلم .

( فرع ) قال الشافعي رضي الله عنه : ويجزئ في الهدي الذكر والأنثى ، لأن المقصود اللحم ، والذكر أجود لحما وأكثر ، ويخالف الزكاة حيث لا يجزئ الذكر ، لأن المقصود تسليم الحيوان في الزكاة حيا لينتفع المساكين بدره ونسله وصوفه وغير ذلك " قال الشافعي : والأنثى أحب إلي من الذكر لأنها أزكى لحما والضأن أفضل من المعز ، والفحل أفضل من الخصي . قال أصحابنا لم يرد الفحل الذي يضرب لأن الضراب يهزله ويضعفه ، وإنما أراد الفحل الذي لا يضرب .

( فرع ) ثبت عن علي رضي الله عنه قال : { أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنة أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها . وأن لا أعطي الجزار منها وقال : نحن نعطيه من عندنا } رواه البخاري ومسلم وفي رواية للبخاري قال : { أهدى النبي صلى الله عليه وسلم مائة بدنة ، فأمرني بلحومها فقسمتها ، ثم أمرني بجلالها فقسمتها ، ثم أمرني بجلودها فقسمتها } واتفق [ ص: 327 ] الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء على استحباب تجليل الهدي والصدقة بذلك الجل ، ونقل القاضي عياض عن العلماء أن التجليل يكون بعد الإشعار ، لئلا يتلطخ بالدم ، وتكون نفاسة الجلال بحسب حال المهدى ، وكان بعض السلف يجلل بالوشي . وبعضهم بالحبرة ، وبعضهم باللادن والأرز ، وكان ابن عمر يجلل بالأنماط ، ويستحب أن يشق على الأسنمة إن كانت قيمتها قليلة لئلا يسقط ، وليظهر الإشعار وإن كانت نفيسة لم يشق والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث