الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في المؤلفة قلوبهم]

                                                                                                                                                                                        واختلف في المؤلفة قلوبهم على ثلاثة أقوال : فقيل : هو الكافر يؤلف بالعطاء ليدخل في الإسلام .

                                                                                                                                                                                        يريد : إذا كان مثله يرجى ذلك منه . وقيل : هو المسلم يكون حديث عهد بالإسلام ، يرى فيه من الضعف ما يخشى عليه ، فيعطى ليثبت في الإسلام .

                                                                                                                                                                                        وقيل : هو الرجل من عظماء المشركين يسلم ، فيعطى ليستألف بذلك غيره من قومه ممن لم يدخل في الإسلام . وكل هذا قريب بعضه من بعض ، ولا فرق بين أن يعطى كافر لينقذه الله به من النار ، أو المسلم خوفا أن يعود إلى الكفر ، أو ليدخل غيره في الإسلام ، فكل ذلك عائد إلى الإيمان للدخول فيه ، أو للثبات عليه .

                                                                                                                                                                                        وقد روي عن صفوان بن أمية أنه قال : "أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين [ ص: 973 ] وإنه لأبغض الخلق إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي" .

                                                                                                                                                                                        وهذا حجة للقول الأول ؛ لأنه لا يبغضه وهو مؤمن . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه ، خشية أن يكبه الله في النار" . وهذا حجة للقول الثاني .

                                                                                                                                                                                        وقد اختلف في سهم المؤلفة قلوبهم ، هل هو منسوخ أم لا ؟ فقال ابن شهاب في المدونة : لم ينسخ من الآية شيء . وهذا هو الصحيح ، وقد كان الأمر على العطاء لهم في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وخلافة أبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ثم قال لأبي سفيان : قد أغنى الله عنك وعن ضربائك ، ولكنك في الفيء كأحدهم . فلا يقال فيما توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمل به بعده : إنه منسوخ . وقال عمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب ، وأبو محمد عبد الوهاب : إذا دعت الحاجة إلى ذلك في بعض الأوقات ؛ رد إليهم سهمهم . وهذا أحسن ؛ لأنه [ ص: 974 ] يرتجى من كافر الدخول في الإسلام بالعطاء ، ولا يقدر عليه بالسيف . ويخشى على الآخر الارتداد واللحوق بدار الحرب ، ويرجى أن يكون العطاء يصده عن ذلك ، فيعطى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "خشية أن يكبه الله في النار" . ويرى من كافر بعد الأسر الأنفة والتجبر ، ويختار القتل على الدخول في الإسلام بالقهر ، والتهديد بالسيف ، ويرجى منه باللين ، والاستئلاف والعطاء الدخول في الإسلام ، فيعطى عند ذلك .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية