الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما يجزئ من الأضحية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( ولا يجزئ في الأضحية إلا الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم ، لقول الله تعالى { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ولا يجزئ فيها إلا الجذعة من الضأن والثنية من المعز والإبل والبقر ، لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن } وعن علي رضي الله عنه قال " لا يجوز في الضحايا إلا الثني من المعز والجذعة من الضأن " وعن ابن عباس أنه قال : " لا تضحوا بالجذع من المعز والإبل والبقر " ويجوز فيها الذكر والأنثى ، لما روت أم كرز عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة ، لا يضركم ذكرانا كن أو إناثا } وإذا جاز ذلك في العقيقة بهذا الخبر دل على جوازه في الأضحية ، ولأن لحم الذكر أطيب ولحم الأنثى أرطب ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث جابر رواه مسلم في صحيحه بحروفه ، قال أهل اللغة المسن الثني من كل الأنعام فما فوقه ( وأما ) حديث أم كرز فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، وهو حديث حسن : وهذا المذكور في المهذب لفظ رواية النسائي .

( أما الأحكام ) فشرط المجزئ في الأضحية أن يكون من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ، سواء في ذلك جميع أنواع الإبل من البخاتي والعراب ، وجميع أنواع البقر من الجواميس والعراب والدربانية ، وجميع أنواع الغنم من الضأن والمعز وأنواعهما ، ولا يجزئ غير الأنعام من بقر الوحش [ ص: 365 ] وحميره ، والضبا وغيرها بلا خلاف ، وسواء الذكر والأنثى من جميع ذلك ، ولا خلاف في شيء من هذا عندنا ، ولا يجزئ من الضأن إلا الجذع والجذعة فصاعدا ، ولا من الإبل والبقر والمعز إلا الثني أو الثنية فصاعدا . هكذا نص عليه الشافعي وقطع به الأصحاب ، وحكى الرافعي وجها أنه يجزئ الجذع من المعز وهو شاذ ضعيف بل غلط ، ففي الصحيحين عن البراء بن عازب { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن نيار خال البراء بن عازب تجزئك يعني الجذعة من المعز ، ولا تجزئ أحدا بعدك } والله أعلم .

ثم الجذع ما استكمل سنة على أصح الأوجه ، والوجه الثاني ما استكمل ستة أشهر ، والثالث ثمانية أشهر ، والرابع إن كان متولدا بين شابين فستة أشهر وإلا فثمانية . وقد سبق بيان هذه الأوجه في كتاب الزكاة . وهناك ذكر المصنف سن الجذع والثني ، فلهذا أهمله هنا ، وذكره في التنبيه في البابين لكنه خالف ما صححه الجمهور . قال أبو الحسن العبادي وغيره : فإذا قلنا بالمذهب : إن الجذع ما له سنة كاملة فلو أجذع قبل تمام السنة أي سقطت سنه أجزأ في الأضحية ، كما لو تمت السنة قبل أن يذبح ويكون ذلك كالبلوغ بالسن أو الاحتلام ، فإنه يكفي فيه أسبقهما . وهكذا صرح البغوي به فقال : الجذع ما استكملت سنة أو أجذعت قبلها . وأما الثني من الإبل فما استكملت خمس سنين ودخل في السادسة ، وروى حرملة عن الشافعي أنه الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة . قال الروياني : وليس هذا قولا آخر للشافعي وإن توهمه بعض أصحابنا ولكنه إخبار عن نهاية سن الثني وما ذكره الجمهور هو بيان لابتداء سنة ، والله أعلم .

وأما الثني من البقر فهو ما استكمل سنتين ودخل في الثالثة ، وروى [ ص: 366 ] حرملة عن الشافعي أنه ما استكمل ثلاث سنين ودخل في الرابعة والمشهور من نصوص الشافعي الأول ، وبه قطع الأصحاب وغيرهم من أهل اللغة وغيرهم ، وأما الثني من المعز ففيه وجهان سبقا في كتاب الزكاة ( أصحهما ) ما استكمل سنتين ( والثاني ) ما استكمل سنة .

( فرع ) لا تجزئ بالمتولد من الظباء والغنم ، لأنه ليس من الأنعام .

( فرع ) في مذاهب العلماء في سن الأضحية . نقل جماعة إجماع العلماء عن التضحية لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم . فلا يجزئ شيء من الحيوان غير ذلك ، وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه يجوز أن يضحي ببقر الوحش عن سبعة ، وبالضبا عن واحد . وبه قال داود في بقرة الوحش ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثني ، ولا من الضأن إلا الجذع ، وأنه يجزئ هذه المذكورات إلا ما حكاه العبدري وجماعة من أصحابنا عن الزهري أنه قال : لا يجزئ الجذع من الضأن . وعن الأوزاعي أنه يجزئ الجذع من الإبل والبقر والمعز والضأن ، وحكى صاحب البيان عن ابن عمر كالزهري ، وعن عطاء كالأوزاعي ، هكذا نقل هؤلاء . ونقل القاضي عياض الإجماع أنه يجزئ الجذع من الضأن ، وأنه لا يجزئ جذع المعز . دليلنا على الأوزاعي حديث البراء بن عازب السابق قريبا في الصحيحين واحتج له بحديث { عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا ، فبقي عتود منها فذكره النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ضح أنت بها } رواه البخاري ومسلم ، قال أبو عبيد وغيره من أهل اللغة : العتود من أولاد المعز ، وهو ما رعى وقوي ، قال الجوهري وغيره : وهو ما بلغ سنة وجمعه أعتة وعدان - بإدغام التاء في الدال - قال كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر قال : وقد روينا ذلك من رواية الليث بن سعد ، ثم ذكره [ ص: 367 ] بإسناده الصحيح عن عقبة قال { أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم غنما أقسمها ضحايا بين أصحابي فبقي عتود منها فقال ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك } . قال البيهقي : وإذا كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة له كما رخص لأبي بردة بن نيار قال : وعلى هذا يحمل ما رويناه عن زيد بن خالد فذكره بإسناده عن زيد قال { قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه غنما فأعطاني عتودا جذعا ، فقال : ضح به فقلت : إنه جذع من المعز أضحي به ؟ قال : نعم فضحيت به } ، هذا كلام البيهقي ، وهذا الحديث الآخر رواه أبو داود بإسناد حسن وليس في رواية أبي داود المعز ، ولكنه معلوم من قوله : عتود ، وهذا التأويل الذي ذكره البيهقي متعين ، واحتج أصحابنا في إجزاء جذع الضأن بحديث جابر المذكور في الكتاب ، وهو صحيح كما سبق " وقد جاءت أحاديث كثيرة بمعناه ، ذكرها البيهقي وغيره والله أعلم .

( فرع ) إن قبل : ظاهر حديث جابر المذكور في الكتاب أن الجذعة من الضأن لا تجزئ إلا إذا عجز عن المسنة ( قلنا ) هذا مما يجب تأويله " لأن الأمة مجمعة على خلاف ظاهره كما سبق ، فإنهم كلهم جوزوا جذع الضأن إلا ما سبق عن ابن عمر والزهري وأنه لا يجزئ ، سواء قدر على مسنة أم لا ، فيحمل هذا الحديث على الأفضل والأكمل ، ويكون تقديره : مستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة ، فإن عجزتم فجذعة ضأن ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث