الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ضمان الأجير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 120 ] باب ضمان الأجير قال : ( الأجراء على ضربين : أجير مشترك ، وأجير خاص . [ ص: 121 ] فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار ) ; لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو أثره كان له أن يعمل للعامة ; لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد ، [ ص: 122 ] فمن هذا الوجه يسمى مشتركا .

قال ( والمتاع أمانة في يده إن هلك لم يضمن شيئا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وهو قول زفر ، ويضمنه عندهما إلا من شيء غالب كالحريق الغالب والعدو المكابر ) لهما ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما كانا يضمنان الأجير المشترك ; ولأن الحفظ مستحق عليه إذ لا يمكنه العمل إلا به ، فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة كان التقصير من جهته فيضمنه كالوديعة إذا كانت بأجر ، بخلاف ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه والحريق الغالب وغيره ; لأنه لا تقصير من جهته . ولأبي حنيفة رحمه الله أن العين أمانة في يده ; لأن القبض حصل بإذنه ، ولهذا لو هلك بسبب لا يمكن التحرز عنه لم يضمنه ، ولو كان مضمونا لضمنه كما في المغصوب ، والحفظ مستحق عليه تبعا لا مقصودا ولهذا لا يقابله الأجر ، بخلاف المودع بأجر ; لأن الحفظ مستحق عليه مقصودا حتى يقابله الأجر .

قال : ( وما تلف بعمله ، فتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل [ ص: 123 ] وغرق السفينة من مده مضمون عليه ) . وقال زفر والشافعي رحمهما الله : لا ضمان عليه ; لأنه أمره بالفعل مطلقا فينتظمه بنوعيه المعيب والسليم وصار كأجير الوحد ومعين القصار . [ ص: 124 - 125 ] ولنا أن الداخل تحت الإذن ما هو الداخل تحت العقد وهو العمل المصلح ; لأنه هو الوسيلة إلى الأثر وهو المعقود عليه حقيقة ، حتى لو حصل بفعل الغير يجب الأجر فلم يكن المفسد مأذونا فيه [ ص: 126 ] بخلاف المعين ; لأنه متبرع فلا يمكن تقييده بالمصلح ; لأنه يمتنع عن التبرع ، وفيما نحن فيه يعمل بالأجر فأمكن تقييده .

وبخلاف أجير الوحد على ما نذكره إن شاء الله تعالى وانقطاع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنيعه قال : ( إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة وإن كان بسوقه وقوده ) ; لأن الواجب ضمان الآدمي . وأنه لا يجب بالعقد . وإنما يجب بالجناية ولهذا يجب على العاقلة ، وضمان العقود [ ص: 127 ] لا تتحمله العاقلة . قال : ( وإذا استأجر من يحمل له دنا من الفرات فوقع في بعض الطريق فانكسر ، فإن شاء ضمنه قيمته في المكان الذي حمله ولا أجر له ، وإن شاء ضمنه قيمته في الموضع الذي انكسر وأعطاه الأجر بحسابه ) أما الضمان فلما قلنا ، والسقوط بالعثار أو بانقطاع الحبل وكل ذلك من صنيعه ، وأما الخيار فلأنه إذا انكسر في الطريق ، والحمل شيء واحد تبين أنه وقع تعديا من الابتداء من هذا الوجه .

وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بإذنه فلم يكن تعديا ، وإنما صار تعديا عند الكسر فيميل إلى أي الوجهين شاء ، وفي الوجه الثاني له الأجر بقدر ما استوفى ، وفي الوجه الأول لا أجر له ; لأنه ما استوفى أصلا .

التالي السابق


( باب ضمان الأجير ) . لما فرغ من ذكر أنواع الإجارة صحيحها وفاسدها شرع في بيان الضمان ; لأنه من جملة العوارض التي تترتب على عقد الإجارة فتحتاج إلى بيانه ، كذا في غاية البيان ، ويقرب منه ما ذكر في معراج الدراية فقال : لما ذكر أنواع الإجارة الصحيحة [ ص: 121 ] والفاسدة شرع في ضمان الأجير . ا هـ . وكل من هذين التقريرين جيد . وأما صاحب النهاية فقال : لما ذكر أبواب عقود الإجارة صحيحها وفاسدها ساقت النوبة إلى ذكر أحكام بعد عقد الإجارة ، وهي الضمان فذكرها في هذا الباب ا هـ . ويقرب منه ما ذكره صاحب العناية حيث قال : لما فرغ من بيان أنواع الإجارة شرع في بيان أحكام بعد الإجارة ، وهي الضمان ا هـ . ولا يخفى على ذي فطنة ما في تقريرهما من الركاكة حيث فسرا الجمع بالمفرد بقولهما ، وهي الضمان انتهى . فإن ضمير هي راجع إلى الأحكام ، ولا ريب أن الضمان حكم واحد لا أحكام . ولما ذاق بعض الفضلاء هذه البشاعة توجه إلى توجيه ذلك فقال : إطلاق الأحكام على الضمان إما باعتبار كثرة أفراده أو المراد ، وهي الضمان وجودا وعدما ا هـ . أقول : توجيه الثاني ليس بوجيه ; لأن الضمان وجودا وعدما أيضا لا يصلح تفسيرا للأحكام ، فإن أقل الجمع ثلاثة على القول الصحيح ، والضمان باعتبار وجوده وعدمه إنما يصير اثنين لا غير . ثم إن صاحب معراج الدراية قال : والأجير فعيل بمعنى مفاعل من باب آجر ، واسم الفاعل منه مؤجر لا مؤاجر . ا هـ . أقول : فيه إشكال ; لأن قوله واسم الفاعل منه مؤجر لا مؤاجر يرى مناقضا لقوله والأجير فعيل بمعنى مفاعل من باب آجر ، إذ على تقدير أن يكون اسم الفاعل منه مؤجرا لا مؤاجرا يلزم أن يكون الأجير فعيلا بمعنى مفعل لا بمعنى مفاعل فتأمل .

ورد عليه الشارح العيني بوجه آخر حيث قال : قلت هذا غلط ; لأن فعيلا بمعنى فاعل لا يكون إلا من الثلاثي ، وكيف يقول بمعنى مفاعل من باب آجر : يعني به من المزيد بدليل قوله واسم الفاعل منه مؤجر . ا هـ كلامه .

أقول : بل الغلط إنما هو في كلام نفسه ، فإن الفعيل بمعنى الفاعل كما يكون من الثلاثي يكون من المزيد أيضا ، وعن هذا قال المحقق الرضي في شرح الكافية : وقد جاء فعيل مبالغة مفعل كقوله تعالى { عذاب أليم } أي مؤلم على رأي . وقال : وأما الفعيل بمعنى المفاعل كالجليس والحسيب فليس للمبالغة فلا يعمل اتفاقا ا هـ . وقال الإمام المطرزي في المغرب : وأما الأجير فهو مثل الجليس والنديم في أنه فعيل بمعنى مفاعل . ا هـ . وهذا كله صريح في خلاف ما زعم فكأنه لم يذق شيئا من العربية .

( قوله : فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار ) قال صاحب العناية : والسؤال من وجه تقديم المشترك على الخاص دوري ا هـ . يعني أن السؤال [ ص: 122 ] عن وجه التقديم يتوجه على تقدير العكس أيضا : أي على تقدير تقديم الخاص على المشترك فلا مرجح سوى الاختيار . وقال بعض الفضلاء : يعني لو قدم الخاص لتوجه السؤال عن سبب تقديمه على المشترك أيضا ; لأن لتقديم كل منهما على الآخر وجها . أما المشترك فلأنه بمنزلة العام بالنسبة إلى الخاص مع كثرة مباحثه .

وأما الخاص فلأنه بمنزلة المفرد من المركب ، لكن تقديم المشترك هاهنا ; لأن الباب باب ضمان الأجير وذلك في المشترك فتأمل . فإن بما ذكره الشارح العيني لم يظهر وجه اختيار تقديم [ ص: 123 ] المشترك كما لا يخفى وكان لا بد منه ، إلى هنا كلامه . أقول : ما ذكره بقوله لكن تقديم المشترك هنا إلخ ليس بتام . أما أولا فلأن معنى باب ضمان الأجير باب ضمان الأجير إثباتا ونفيا كما أشار إليه نفسه أيضا فيما قبل بقوله أو المراد ، وهي الضمان وجودا وعدما ، وإلا : أي ، وإن لم يكن معناه ذلك بل كان معناه باب إثبات الضمان لزم أن لا يصح عنوان الباب على قول أبي حنيفة أصلا ، إذ لا ضمان عنده على أحد من الأجير المشترك والأجير الخاص ، وأن لا يصح ذلك عندهما أيضا إلا في بعض صور من مسائل الأجير المشترك وحده كما ستحيط به خبرا ، وهذا مما لا ينبغي أن يرتكب ، فإذا كان معنى عنوان الباب ما يعم إثبات الضمان ونفيه كان نسبته إلى المشترك والخاص على السواء فلم يتم قوله : وذلك في المشترك .

وأما ثانيا فلأن الطرفين إذا كانا متساويين لم يحتج هناك إلى وجه يرجح اختيار أحد الطرفين ، بل لم يتصور هناك ذلك ، وإنما يكون مرجح أحد الطرفين هنالك نفس الاختيار لا غير كما أشرنا إليه في تقرير مراد صاحب العناية ، وقد تقرر في العلوم العقلية أن ترجيح أحد المتساويين بالاختيار جائز ، وإنما المحال ترجيح أحدهما من غير مرجح فظهر أن قوله فإن بما ذكره الشارح لم يظهر وجه اختيار تقديم المشترك مما لا يضر بتمام ما ذكره ، وقوله وكان لا بد منه مما لا صحة له .

نعم يمكن منع تساوي الطرفين فيما نحن فيه ، لكنه أمر آخر مغاير لما قاله فتدبر . وقال صاحب النهاية : فإن قلت : هذا يعني تعريف الأجير المشترك بقوله من لا يستحق الأجرة حتى يعمل تعريف يئول عاقبته إلى الدور ; لأن هذا حكم لا يعرفه إلا من يعرف الأجير المشترك ، ثم لو كان عارفا بالأجير المشترك لا يحتاج إلى هذا التعريف ، ولو لم يكن عارفا به قبل هذا لا يحصل له تعريف الأجير المشترك ; لأنه يحتاج إلى السؤال عمن لا يستحق الأجرة حتى يعمل بمن هو ، فلا بد للمعرف أن يقول هو الأجير المشترك ، وهو عين الدور .

قلت : نعم كذلك ، إلا أن هذا تعريف للخفي بما هو أشهر منه في فهوم المتعلمين ، أو هو تعريف لما لم يذكره بما قد سبق ذكره ; لأنه ذكر قبل هذا استحقاق الأجير بالعمل بقوله أو باستيفاء المعقود عليه في باب الأجر متى يستحق فصار كأنه قال : وما عرفته أن الأجير الذي يستحق الأجر باستيفاء المعقود عليه فهو الأجير المشترك ، إلى هنا كلامه . أقول : في الجواب خلل . أما أولا فلأن قوله في أول الجواب نعم كذلك اعتراف بلزوم الدور ، وما يستلزم الدور يتعين فساده ولا يمكن إصلاحه ، فما معنى قوله بعد ذلك إلا أن هذا تعريف للخفي إلخ . وأما ثانيا فلأن كون الأجير المشترك خفيا .

وما ذكر في التعريف أشهر منه ممنوع ، كيف ولو كان كذلك لما صح الجواب إذا سئل عمن لا يستحق الأجرة حتى يعمل بمن هو بأنه هو الأجير المشترك . وأما ثالثا فلأن المذكور في باب الأجر متى يستحق بقوله أو باستيفاء المعقود عليه غير مختص بالأجير المشترك بل هو حكم مشترك بين الأجير المشترك والأجير الخاص فإنهم حصروا هناك سبب استحقاق الأجير مطلقا للأجرة في معان ثلاثة هي : شرط التعجيل ، والتعجيل من غير شرط ، واستيفاء المعقود عليه ، ولو كان هذا المعنى الثالث مختصا بالأجير المشترك لزم أن لا يستحق الأجير الخاص الأجرة أصلا فيما إذا لم يشترط التعجيل ولم يعجل وهو ظاهر البطلان ، وإذا كان المذكور فيما سبق بقوله أو باستيفاء المعقود عليه حكما عاما للأجير الخاص أيضا فكيف يصح أن يقال في توجيه معنى تعريف الأجير المشترك هاهنا بما ذكر فصار كأنه قال : وما عرفته أن الأجير الذي يستحق الأجر باستيفاء المعقود عليه فهو الأجير المشترك . ثم إن صاحب العناية ذكر خلاصة السؤال والجواب المذكورين في النهاية بعبارة أخرى حيث [ ص: 124 ] قال : قيل وتعريف الأجير المشترك بقوله من لا يستحق الأجرة حتى يعمل أيضا تعريف دوري ; لأنه لا يعلم من لا يستحق قبل العمل حتى يعلم الأجير المشترك فتكون معرفة المعرف موقوفة على معرفة المعرف ، وهو الدور .

وأجيب بأنه قد علم مما سبق في باب الأجر متى يستحق أن بعض الأجراء يستحق الأجرة بالعمل فلم تتوقف معرفته على معرفة المعرف . ا هـ . أقول : أصلح الجواب في الجملة كما ترى ، ولكن فيه أيضا خلل ; لأنه إن أراد بما علم مما سبق في ذلك الباب ما ذكر هناك بقوله أو باستيفاء المعقود عليه كما صرح به في النهاية . يرد عليه ما ذكرناه فيما مر آنفا من أن ذلك الحكم عام للأجير الخاص أيضا فكيف يتم تعريف الأجير المشترك بذلك ، وإن أراد به ما ذكر هناك بقوله وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يفرغ من العمل كما يشعر به قوله : في تقرير هذا الجواب : قد علم مما سبق أن بعض الأجراء يستحق الأجرة بالعمل حيث زاد فيه البعض يتجه عليه أن المعلوم من ذلك حكم مادة مخصوصة فكيف يحصل بذلك معرفة مطلق من لا يستحق الأجرة حتى يعمل حتى يصلح تعريفا لمطلق الأجر المشترك فتأمل . وقال بعض الفضلاء : وأنت خبير بأن قول المصنف ; لأن المعقود عليه إنما هو العمل أو أثره متكفل لدفع هذا السؤال ، فإنه يعلم به تعريف من لا يستحقها حتى يعمل بمن استؤجر على العمل أو أثره فلا يلزم الدور ، ولا حاجة إلى الحوالة . انتهى كلامه .

أقول : ليس هذا بشيء ; لأن تعريف الأجير المشترك بمن لا يستحق الأجرة حتى يعمل مما اختاره القدوري ، وذكره في مختصره ولم يذكر معه شيئا آخر يحصل به معرفة من لا يستحقها حتى يعمل ، والمصنف أيضا ذكره وحده في البداية ، وإنما زاد عليه التعليل المذكور في الهداية ، والسؤال المزبور إنما يتجه على من اكتفى بالتعريف المذكور من غير أن يذكر معه ما يفيد معرفته . وزيادة المصنف شيئا يفيد معرفته ، كيف تصلح كلام من لم يزده ، ومات قبل ولادة المصنف بسنين كثيرة ، وإذا لم يذكر معه شيء يحصل به معرفته ، فإما أن تحتاج معرفته إلى معرفة الأجير المشترك الذي هو المعرف فيلزم الدور أو لا تحتاج إليها بل حصلت بما هو معلوم ، ومعهود فيما سبق فلا بد في الجواب من الحوالة عليه فلم يتم .

قوله : فلا يلزم الدور ولا حاجة إلى الحوالة ، نعم تمام الحوالة غير مسلم عندنا كما قررنا فيما قبل ، ولكنه كلام آخر . ثم قال ذلك البعض من الفضلاء : ظاهر قوله فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل منقوض بالأجير المشترك إذا عجل له الأجر أو شرط التعجيل فيحتاج إلى نوع عناية ، كأن يقال : لا يستحق الأجر بالنظر إلى كونه أجيرا مع قطع النظر عن الأمور الخارجة انتهى . أقول : إنما يتوهم الانتقاض بذلك ، ويحتاج إلى نوع عناية في دفعه لو كان معنى قوله المذكور المشترك من لا يستحق الأجرة قبل أن يعمل . وأما إذا كان معناه المشترك من لا يستحقها بدون العمل أصلا كما يستحقها الأجير الخاص بتسليم نفسه في المدة ، وإن لم يعمل أصلا على ما سيجيء فلا انتقاض بذلك أصلا ; لأن الأجير المشترك إذا لم يقع منه العمل أصلا لا يستحق الأجرة ، حتى لو كان أخذها بطريق التعجيل يلزمه ردها على المستأجر ، وكأن الإمام الزيلعي تدارك هذا المعنى حيث قال في شرح قول صاحب الكنز ولا يستحق الأجر حتى يعمل : يعني الأجير المشترك لا يستحق الأجرة إلا إذا عمل . انتهى فتبصر .

ثم إن صاحب العناية قال : وقيل قوله : من لا يستحق الأجرة حتى يعمل مفرد . والتعريف بالمفرد لا يصح عند عامة المحققين ، وإذا انضم إلى ذلك قوله : كالصباغ والقصار جاز أن يكون تعريفا بالمثال ، وهو صحيح ، ولكن قوله : لأن المعقود عليه ينافي ذلك ; لأن التعليل على التعريف غير صحيح . وقال : وفي كونه مفردا لا يصح التعريف به نظر . والحق أن يقال : إنه من التعريفات اللفظية ، وقوله ; لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو أثره كان له أن يعمل للعامة ; لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد بيان لمناسبة التسمية ، وكأنه قال : من لا يستحق الأجرة حتى يعمل يسمى بالأجير المشترك ; لأن المعقود عليه إلخ ، ويؤيده قوله : فمن هذا الوجه يسمى مشتركا ، إلى هنا كلامه .

وقال بعض الفضلاء : وعندي أنه يعني قوله ; لأن المعقود عليه إلخ تعليل للحكم الضمني المستفاد من التعريف ، وهو أن بعض الأجراء لا يستحق الأجرة قبل العمل ; لأن قضية عقد المعاوضة هي المساواة كما تقدم بيانه ، ولو استحق من استؤجر على العمل قبله [ ص: 125 ] تبطل المساواة ، هذا هو مراد المصنف ، إلا أن المصنف فرع على ذلك التعليل قوله فكان له أن يعمل للعامة لبيان مناسبة التسمية فليتأمل ، إلى هنا كلامه .

أقول : مدار استخراج ذلك البعض ورأيه في هذا المقام على أن تكون عبارة المصنف هاهنا ; لأن المعقود عليه إنما هو العمل أو أثره فكان له أن يعمل للعامة وليست كذلك ، بل عبارته هاهنا ; لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو أثره كان له أن يعمل للعامة ، ولا شك أن قوله كان له أن يعمل للعامة ليس بكلام مستقل بل هو جزاء للشرط المذكور فيما قبله ، ومجموع الشرط والجزاء داخل في التعليل غير متحمل لغير بيان مناسبة التسمية ، فالحق ما قاله صاحب العناية ، على أنه لو كانت عبارة المصنف ما زعمه ذلك القائل وكان قوله : لأن المعقود عليه إنما هو العمل أو أثره تعليلا لما ذهب إليه ذلك القائل على ما قرره ذلك القائل لما صح تفريع المصنف قوله فكان له أن يعمل للعامة على ذلك التعليل ; لأن مدار ذلك التعليل على ما قرره ذلك القائل أن تكون قضية عقد المعاوضة هي المساواة كما تقدم بيانه .

ولا ريب أن هذه القضية كما تتحقق فيما إذا كان الأجير مشتركا تتحقق فيما إذا كان الأجير خاصا أيضا ، فلو صح تفريع قوله فكان له أن يعمل للعامة على ذلك التعليل لزم جواز أن يعمل الأجير الخاص أيضا للعامة ، وليس كذلك قطعا ( قوله : ولنا أن الداخل تحت الإذن ما هو الداخل تحت العقد ، وهو العمل المصلح ; لأنه هو الوسيلة إلى الأثر ، وهو المعقود عليه حقيقة ، حتى لو حصل بفعل الغير يجب الأجر فلم يكن المفسد مأذونا فيه ) أقول : في تعليل كون الداخل تحت العقد هو العمل المصلح بما ذكره المصنف قصور ; لأن كون العمل وسيلة إلى الأثر إنما يتصور في صورة تخريق الثوب من دقه من صور مسألتنا هذه دون الصور الثلاث الباقية منها إذ قد مر في أواخر باب الأجر متى يستحق أن كل صانع لعمله أثر في العين كالقصار والصباغ فله أن يحبس العين حتى يستوفي الأجر ; لأن المعقود عليه وصف قائم في الثوب فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في البيع ، وكل صانع ليس لعمله أثر في الثوب فله حق الحبس لاستيفاء البدل كما في البيع ، وكل صانع ليس لعمله أثر في العين ليس له أن يحبس العين للأجر كالحمال والملاح ; لأن المعقود عليه نفس العمل ، وهو عين قائم في العين فلا يتصور حبسه انتهى . فقد تلخص منه أن العمل على نوعين : نوع له أثر في العين كعمل الصباغ والقصار . ونوع ليس له أثر في العين كعمل الحمال والملاح . وأن المعقود عليه في النوع الأول هو الأثر ، وهو الوصف القائم في الثوب ، والمعقود عليه في النوع الثاني نفس العمل لا غير .

ولا شك أن هاتيك الصور الثلاث فيما نحن فيه من مسائل الحمال والملاح ، وإذا لم يكن لعمل الصانع فيها أثر في العين فكيف يتصور أن يكون له وسيلة إلى الأثر ، وكيف يصح أن يقال فيها الأثر هو المعقود عليه حقيقة ، وقد صرح فيما مر بأن المعقود عليه هناك نفس العمل ، وكذا قوله : حتى لو حصل بفعل الغير يجب الأجر ليس بمستقيم على إطلاقه ، إذ قد مر أيضا في الباب المزبور أنه إذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره ; لأن المعقود عليه العمل من محل بعينه فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه انتهى . نعم إذا أطلق العمل فله أن [ ص: 126 ] يستأجر من يعمله كما مر هناك أيضا فكان الدليل خاصا والمدعى عاما .

والأولى في التعليل هاهنا ما ذكره صاحب الكافي حيث قال : لأن الداخل تحت الإذن ما هو الداخل تحت العقد ، وهو العمل المصلح ; لأن الإذن إنما يثبت ضمنا للعقد والعقد انعقد على التسليم ; لأن مطلق عقد المعاوضة يقتضي سلامة العقد عليه من العيوب كما مر في البيوع ، فإذا ثبت أن المعقود عليه العمل السليم ثبت أن المفسد غير معقود عليه فلا يكون مأذونا فيه ، كما لو وصف نوعا من الدق فجاء بنوع آخر . ا هـ . ( قوله : بخلاف العين ; لأنه متبرع فلا يمكن تقييده بالمصلح ; لأنه يمتنع عن التبرع وفيما نحن فيه يعمل بالأجر فأمكن تقييده ) .

قال صاحب العناية : ولملتزم أن يلتزم جواز الامتناع عن التبرع فيما يحصل به المضرة لغير من تبرع له . ا هـ . وقصد بعض الفضلاء دفع ذلك فقال : الحكم يدار على دليله ، وإن كانت الحكمة أخص كما سبق نظيره في الأيمان فقوله ; لأنه يمتنع عن التبرع بيان لحكمة عدم التضمين . ا هـ . أقول : هذا لا يجدي شيئا ; لأن صاحب العناية لم ينف لزوم الامتناع عن التبرع في صورة حصول المضرة به لغير من تبرع له ، بل أراد منع بطلان ذلك اللازم بناء على التزام جواز ذلك دفعا للضرر عن غير المتبرع له فلا فائدة هاهنا لحديث جواز كون الحكمة أخص ، على أن لصاحب العناية أن يقول لا يصلح قوله : لأنه يمتنع عن التبرع بيانا لحكمة عدم التضمين أيضا ، فإنه إذا جاز التزام امتناعه عن ذلك بناء على دفع الضرر عن الغير لم تظهر حكمة عدم التضمين ، بل كان الظاهر حينئذ هو التضمين كما لا يخفى . ثم قال صاحب العناية : ولو علل بأن التبرع بالعمل بمنزلة الهبة ، وهي لا تقتضي السلامة كأن أسلم . ا هـ . أقول : ولقائل أن يقول : هنا أيضا كون التبرع بالعمل بمنزلة الهبة بالنظر إلى من تبرع له لا يقتضي جواز ذلك إذا تضمن ضررا لغير من تبرع له . ألا ترى أنه إذا أخذ أحد ملك الآخر وتبرع به لغيره بطريق الهبة فلا شك أنه يلزمه الضمان فلم لا يلزمه الضمان إذا عمل في ملك المستأجر بغير إذنه وتبرع بالعمل للأجير فتلف بعمله ملك المستأجر فليتأمل .

( قوله : وانقطاع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنيعه ) هذا جواب عما عسى أن يقال : انقطاع الحبل ليس من صنيع الأجير فما وجه ذكره من جملة ما تلف بعمله ؟ فأجاب بأنه من قلة اهتمامه فكان من صنيعه ، كذا من العناية وغيرها . أقول : لقائل أن يقول : يشكل هذا على ما مر من أن الأجير المشترك لا يضمن ما هلك في يده عند أبي حنيفة رحمه الله ، وإن كان الهلاك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة فإنه يجوز أن يقال هناك أيضا : إن الهلاك من قلة اهتامه حيث لم يحترز عما يمكن الاحتراز عنه فكان من صنيعه فينبغي أن يضمن بالاتفاق . ثم أقول : يمكن الفرق بأن التقصير هناك في الحفظ ، وهو مستحق عليه تبعا لا مقصودا كما مر فلا اعتبار له ، وأما هاهنا فالتقصير في نفس العمل الذي هو مستحق عليه مقصودا فله اعتبار وحكم ( قوله : لأن الواجب ضمان الآدمي وأنه لا يجب بالعقد ، وإنما يجب بالجناية ) قال في الكفاية : لا يقال إن ضمان بني آدم يجب بالتسبيب وقد وجد ; لأن المسبب إنما يضمن إذا تعدى وكلامنا فيما إذا لم يوجد التعدي . ا هـ . أقول : فيه بحث ، وهو أنه كيف يكون كلامنا فيما إذا لم يوجد التعدي وقد وجب [ ص: 127 ] على الأجير المشترك في مسألتنا هذه ضمان المتاع الهالك بعمله عند أئمتنا الثلاثة ، ولولا التعدي لما ضمن عند أبي حنيفة رحمه الله فإن الأصل عنده أن المتاع أمانة في يد الأجير إن هلك لم يضمن شيئا كما مر . ووجه التعدي فيما نحن فيه على ما فهم من الدليل المذكور من قبل أئمتنا هو مخالفة الأجير لإذن المستأجر حيث أتى بالعمل المفسد ، مع أن الداخل تحت إذنه إنما هو العمل المصلح ، وسيجيء من المصنف التصريح بوقوع التعدي في المسألة الآتية ، وهو نظير ما نحن فيه في الأحكام .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث