الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب التصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته على غيره )

لما كان التصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته على غيره متأخرا طبعا عن كونه رهنا أخره وضعا ليوافق الوضع الطبع قال رحمه الله ( ويتوقف بيع الرهن على إجازة مرتهنه أو قضاء دينه ) اختلفت عبارة محمد رحمه الله تعالى في هذه المسألة قال في موضع بيع المرهون فاسد وفي موضع جائز والصحيح أنه جائز موقوف . وقوله فاسد محمول على إذا لم يجز المرتهن ، فإن القاضي يفسده إذا خوصم إليه وطلب المشتري تسليمه . وقوله جائز بمعنى نافذ محمول على ما إذا أجاز وسلمه ، وفي الجامع باع الراهن الرهن فالبيع باطل قيل معناه سيبطل وعن أبي يوسف ينفذ سواء علم المرتهن بالبيع أو لا وإنما يتوقف ; لأنه تعلق به حق المرتهن ، وفي بقائه إبطال حقه فلا ينفذ إلا بإجازته أو بقضاء الراهن الدين لزوال المعنى وهو تعلق حق المرتهن أراد بالبيع ما هو مثله مما تعلق بنفاذه إبطال حق المرتهن في الحبس بخلاف ما لو زوجها الراهن ، فإنه ينفذ ولا يتوقف على إجازة المرتهن ; لأن للمرتهن أن يحبسها عن الزوج كما أن للمولى ذلك .

وقولهم في التعليل إنه تعلق به إلى آخره أقول : في تمام هذا التعليل من القدر نظر ، فإنه ينتقض بما إذاأعتق الراهن عبد الرهن ينفذ عتقه كما سيأتي في الكتاب مع جريان هذا التعليل هناك أيضا فالوجه في التعليل هاهنا أن يقال لانعدام القدرة على التسليم لتعلق حق الغير به وهو المرتهن فيتوقف على إجازته ، ألا ترى أن المصنف إنما فصل بين هذه المسألة ومسألة الإعتاق بانعدام القدرة على التسليم حيث قال في آخر تعليل مسألة الإعتاق من قبل أصحابنا وامتناع النفاذ في البيع والهبة لانعدام القدرة على التسليم فتدبر قوله وامتناع النفاذ بالبيع والهبة لانعدام القدرة على التسليم ; لأن يد المرتهن مانعة عن التسليم والبيع كما يفتقر إلى الملك يفتقر إلى القدرة على التسليم ، فإذا انعقد البيع بإجازة المرتهن انتقل حقه إلى الثمن فيكون محبوسا بالدين وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن المرتهن إن شرط أن يكون الثمن رهنا عند الإجازة كان رهنا وإلا فلا ; لأنه بالإجازة نفذ البيع وملك الراهن الثمن وأن ما له أخذه فملكه [ ص: 299 ] بسبب جديد فلا يصير رهنا إلا بالشرط كما إذا أجره الراهن فأجاز المرتهن الإجارة لا تصير الأجرة رهنا إلا بالشرط وجه ظاهر الرواية وهو الصحيح أن الثمن قائم مقام ما يتعلق به حقه وهو بدل ما تعلق به حقه ومحل لحقه ; لأن حقه تعلق بماله وللبدل حكم المبدل فوجب انتقال حقه إليه كالعبد المديون إذا بيع برضا الغرماء ينتقل حقهم إلى البدل من غير شرط لما ذكرنا ولا يسقط حقهم بالكلية لعدم رضاهم بذلك ظاهر أو الرضا بالبيع لا يدل على الرضا لسقوط الحق رأسا فيبقى الحق على غيره بخلاف ما ذكر ; لأن الأجرة ليست ببدل حقه وبخلاف ما إذا باع العين المستأجرة فأجاز المستأجر البيع حيث لا ينقل حقه إلى الثمن ; لأنه ليس ببدل العين وحقه في العين فافترقا .

وإن لم يجز المرتهن البيع وفسخه انفسخ في رواية ابن سماعة عن محمد حتى إذا افتكه الراهن لا سبيل للمشتري عليه ; لأن الحق الثابت للمرتهن بمنزلة الملك فصار كالمالك فله أن يجيز وله أن يفسخ ، وفي أصح الروايتين لا ينفسخ بفسخه ، وفي المختصر إشارة إليه حيث قال توقف على إجازة المرتهن أو قضاء دينه جعل الإجازة إليه دون الفسخ وجعله متوقفا على قضاء الدين ، وهذا دليل على أن فسخه لا ينفذ ، ووجه الامتناع لحقه كي لا يتضرر والتوقف لا يضره ; لأن حقه في الحبس لا يبطل بمجرد الانعقاد من غير نفوذ فبقي متوقفا على المشتري ، ثم إن المشتري بالخيار إن شاء صبر حتى يفتك الراهن الرهن إذ العجز على شرف الزوال ، وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي وللقاضي أن يفسخ العقد لفوات القدرة على التسليم ; لأن ولاية الفسخ له لا إلى المشتري والبائع وهو الراهن وصار كالعبد المبيع إذا أبق قبل القبض ، فإن المشتري بالخيار إن شاء صبر حتى يرجع .

وإن شاء رفع الأمر إلى القاضي والإجارة مثل الرهن حتى لا ينفذ بيع المؤجر ، ولو باعه الراهن من رجل ثم باعه من آخر قبل أن يجيز المرتهن فالثاني موقوف أيضا على إجازته ; لأن الأول لم ينفذ والموقوف لا يمنع توقف الثاني فأيهما أجاز لزم ذلك وبطل الآخر ، ولو باعه الراهن ، ثم أجره أو رهنه أو وهبه من غيره فأجاز المرتهن الإجارة أو الرهن أو الهبة جاز البيع الأول دون هذه العقود ، والفرق أن المرتهن له منفعة في البيع ; لأن حقه يتحول إلى الثمن على ما بينا وقد يكون أحد العقدين أنفع من الآخر فيعتبر تعيينه لتعلق الفائدة به أما هذه العقود فلا منفعة له فيها ; لأن حقه لا ينقل إلى الآخر لما بينا ولا بد له من الرهن والهبة فكان إجازته إسقاطا لحقه فزالا لمانع فنفذ البيع كما لو باع المؤجر العين المستأجرة من اثنين فأجاز المستأجر البيع الثاني نفذ الأول ; لأنه لا نفع له في البيع إذ لا ينقل حقه إلى البدل على ما بينا فكان إجازته إسقاطا لحقه فنفذ الأول لزوال المانع هذا إذا تعلق بالعين المرتهنة حق للغير بحق باشره الراهن

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث