الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان غاية المدة التي تقدر بها المنفعة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في بيان غاية المدة التي تقدر بها المنفعة تقريبا وكون يد الأجير يد أمانة وما يتبع ذلك

( يصح عقد الإجارة ) على العين ( مدة تبقى فيها ) تلك ( العين ) بصفاتها المقصودة كما هو ظاهر ( غالبا ) لإمكان استيفاء المعقود عليه حينئذ كسنة في نحو الثوب وعشر سنين في الدابة وثلاثين سنة في العبد على ما يليق بكل منها وكمائة سنة أو أكثر في الأرض طلقا كانت أو وقفا لم يشترط واقفه لإيجاره مدة . قال البغوي : والمتولي كالقاضي إلا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس الوقف ، وفي الأنوار أن ما قالاه هو الاحتياط . قال الشيخان : وهذا الاصطلاح غير مطرد . قال السبكي : ولعل سببه أن إجارة الوقف تحتاج إلى أن تكون بالقيمة وتقويم المدة المستقبلة البعيدة صعب . قال : وفيه أيضا منع الانتقال إلى البطن الثاني وقد تتلف الأجرة عليهم ، ومع ذلك تدعو الحاجة إليه لعمارة ونحوها فالحاكم يجتهد [ ص: 306 ] في ذلك ويقصد وجه الله تعالى ا هـ . وبمقتضى إطلاق الشيخين أفتى الوالد رحمه الله تعالى ويحمل قول القائل بالمنع في ذلك كالأذرعي على ما إذا غلب على الظن اندراس اسم الوقف وتملك العين بسبب طول مدتها ، وإذا أجر شيئا أكثر من سنة لم يجب تقدير حصة كل سنة كما لو استأجر سنة لا يجب تقدير حصة كل شهر وتوزع الأجرة على قيمة منافع السنين

ولو آجره شهرا مثلا ، وأطلق فابتداؤه من وقته لأنه المفهوم المتعارف كما في الروضة ، وظاهره الصحة ولو لم يقل من الآن ، لكن نقل ابن الرفعة عن جزم العراقيين خلافه وقد لا يحتاج إلى تقدير المدة كما يأتي في سواد العراق ، وليس مثله إيجار وكيل بيت المال أراضيه لبناء أو زرع من غير تقدير مدة بل هو باطل ، إذ لا مصلحة كلية يغتفر لأجلها ذلك ، وكاستئجار الإمام من بيت المال للأذان أو الذمي للجهاد ، وكالاستئجار للعلو للبناء أو إجراء الماء ، وسيأتي أن الولي لا يؤجر المولى عليه أو ماله إلا مدة لا يبلغ فيها بالسن وإلا بطلت في الزائد ، ومر أن الراهن يمتنع عليه إجارة المرهون لغير المرتهن إلا مدة لا تجاوز حلول الدين ، ونقل البدر ابن جماعة عن المحققين امتناع إجارة الإقطاع أكثر من سنة ، وبحث البلقيني في منذور عتقه بعد شفاء مريضه بسنة أنه لا يجوز إيجاره أكثر منها لئلا يؤدي إلى دوامها عليه بعد عتقه لما يأتي أنها لا تنفسخ بطرو العتق ، وفي كل منهما نظر ظاهر ، والأوجه فيهما صحة الإجارة فيما زاد على السنة فإذا سقط حقه من الإقطاع في الأولى بطلت ، وإذا عتق في الثانية فكذلك لا سيما وقد يتأخر الشفاء عن مدة الإجارة ( وفي قول لا يزاد ) فيها ( على سنة ) مطلقا لأن الحاجة تندفع بها ، وما زعمه السرخسي من أنه المذهب في الوقف شاذ بل قيل إنه غلط ( وفي قول ) لا تزاد على ( ثلاثين ) سنة لأن الغالب تغير الأشياء بعدها ورد بأن ذكرها في النص للتمثيل

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( فصل ) في بيان غاية المدة

( قوله : كما هو ظاهر غالبا ) فلو أجره مدة لا تبقى إليها غالبا فهل تبطل في الزائد فقط ا هـ سم على حج . أقول : القياس نعم وتتفرق الصفقة ، ثم رأيته في العباب صرح بذلك ، وعبارته : فإن زاد على الجائز بطلت في الزائد فقط ا هـ . وعليه فلو أخلف ذلك وبقيت على حالها بعد المدة التي اعتبرت لبقائها على صورتها فالذي يظهر صحة الإجارة في الجميع لأن البطلان في الزيادة إنما كان لظن تبين خطؤه . ( قوله على ما يليق بكل منهما ) وبه يعلم أن ذكر ذلك العدد للتمثيل لا للتقييد انتهى حج ( قوله : وكمائة سنة ) .

[ فرع ] وقع السؤال في الدرس عما لو استأجر دارا موقوفة وهي متهدمة مدة طويلة هل تراعى أجرتها الآن وهي متهدمة أم يجب مراعاة أجرتها بعد عودها على ما كانت عليه ؟ فيه نظر ، والأقرب أنه يفرض بناؤها على الصفة التي يئول أمرها إليها بالعمل عادة ثم يعتبر أجرة مثلها معجلة وهي دون أجرة مثلها ولو قسطت على الأشهر والسنين بحيث يقبض آخر كل قسط ما يخصه ، وإنما اعتبرنا تلك الصفة لأن الغرض من إيجارها كذلك أن تبني بالأجرة المعجلة ، ولو اعتبرت أجرة مثلها بتلك الحالة التي هي عليها كان إضاعة للوقف لأنها إنما يرغب فيها كذلك بأجرة قليلة جدا ( قوله : طلقا ) أي مملوكة ( قوله قال وفيه أيضا ) أي قال السبكي ( قوله لعمارة أو نحوها ) [ ص: 306 ] أي مما تكون المصلحة فيه لعين الوقف لا للموقوف عليهم ا هـ سم على حج ( قوله : وبمقتضى إطلاق الشيخين ) أي المذكور في قوله طلقا كان أو وقفا المفهوم من إطلاق المتن ، والمراد صحته حيث اقتضت المصلحة ذلك ( قوله : فابتداؤه من وقته ) أي العقد ( قوله : أكثر من سنة ) المعتمد أنه يجوز إيجار الإقطاع مدة يبقى فيها غالبا وإن احتمل رجوع السلطان فيه قبل فراغ مدة الإجارة أو لم يعلم بقاء المؤجر تلك المدة لأنه يستحق في الحال والأصل البقاء ، فإن رجع السلطان أو مات المؤجر قبل فراغ المدة انفسخت في الباقي ويؤيد ذلك إيجار البطن الأول ، فإنه يحكم بصحته وملكهم جميع الأجرة وجواز تصرفهم فيها وإن لم يعلم بقاؤهم تلك المدة ، فإن ماتوا قبل فراغها انفسخت في الباقي ا هـ سم على حج . ومن ذلك الأرض المرصدة على المدرس والإمام ونحوهما إذا كان النظر له وأجر مدة ومات قبل تمامها فإنها تنفسخ الإجارة ( قوله وإذا عتق في الثانية إلخ ) لا يقال : بطلان الإجارة بعد العتق ينافيه ما سيأتي من أن الإجارة لا تبطل بعتق العبد . لأنا نقول : ذاك محله إذا لم يتقدم سبب العتق على الإجارة وإلا فتبطل كما لو علق عتق العبد بصفة ثم أجره ثم وجدت الصفة فإنه يعتق وتبطل الإجارة كما سيأتي في شرح قول المصنف ولو أجر عبده إلخ ، وما هنا من ذلك لتقدم النذر على الإجارة ( قوله : لا سيما ) أي حيث كان الإيجار قبل شفاء المريض . أما لو كان بعده فلا يتأتى هذا التوجيه ( قوله : وما زعمه السرخسي ) بفتحتين وسكون المعجمة ومهملة نسبة إلى سرخس مدينة بخراسان ا هـ لب للسيوطي



حاشية المغربي

( فصل ) في بيان غاية المدة إلخ [ ص: 306 ] قوله : في منذور عتقه ) أي : بأن نذر أن يعتقه إذا مضت سنة بعد شفاء المريض ( قوله : والأوجه فيهما صحة الإجارة ) أي : سواء أكان إقطاع تمليك ، أو إرفاق كما سيأتي ( قوله : وإذا عتق في الثانية إلخ ) قال سم : ويفارق [ ص: 307 ] ما يأتي فيما لو أجر عبده ثم أعتقه أنه تستمر الإجارة بتقدم سبب العتق هنا على الإجارة بخلافه ثم



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث