الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى ( وإذا نحر الهدي أو الأضحية نظرت فإن كان تطوعا فالمستحب أن يأكل منه ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم { نحر ثلاثا وستين بدنة ثم أعطى عليا رضي الله عنه فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، وأمر من كل بدنة ببضعة فجعلها في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها } ولا يجب ذلك لقوله عز وجل { والبدن جعلناها لكم من شعائر الله } فجعلها لنا ، وما هو للإنسان فهو مخير بين أكله وبين تركه ، وفي القدر الذي يستحب أكله قولان ، قال في القديم : يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله عز وجل { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } فجعلها بين اثنين ، فدل على أنها بينهما نصفين . وقال في الجديد : يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث لقوله عز وجل { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } قال الحسن : القانع الذي يسألك ، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقال مجاهد : " القانع الجالس في بيته والمعتر الذي يسألك " فجعلها بين ثلاثة فدل على أنها بينهم أثلاثا .

( وأما ) القدر الذي يجوز أن يؤكل ففيه وجهان ، قال أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن القاص يجوز أن يأكل الجميع ; لأنها ذبيحة يجوز أن يأكل منها فجاز أن يأكل جميعها كسائر الذبائح ، وقال عامة أصحابنا : يجب أن يبقي منها قدر ما يقع عليه اسم الصدقة ; لأن القصد منها القربة ، فإذا أكل الجميع لم تحصل القربة له ، فإن أكل الجميع لم يضمن على قول أبي العباس [ ص: 391 ] وابن القاص ويضمن على قول سائر أصحابنا ، وفي القدر الذي يضمن وجهان ( أحدهما ) يضمن أقل ما يجزئ في الصدقة ( والثاني ) يضمن القدر المستحب وهو الثلث في أحد القولين والنصف في الآخر بناء على القولين فيمن فرق سهم الفقراء على اثنين وإن كان نذرا نظرت فإن كان قد عينه عما في ذمته لم يجز أن يأكل منه ; لأنه بدل عن واجب فلم يجز أن يأكل منه كالدم الذي يجب بترك الإحرام من الميقات ، وإن كان نذر مجازاة كالنذر لشفاء المريض وقدوم الغائب لم يجز أن يأكل منه ; لأنه جزاء ، فلم يجز أن يأكل منه كجزاء الصيد ، فإن أكل شيئا منه ضمنه .

وفي ضمانه ثلاثة أوجه ( أحدها ) يلزمه قيمة ما أكل ، كما لو أكل منه أجنبي ( والثاني ) يلزمه مثله من اللحم ; لأنه لو أكل جميعه ضمنه بمثله ، فإذا أكل بعضه ضمنه بمثله ( والثالث ) يلزمه أن يشتري جزءا من حيوان مثله ، ويشارك في ذبحه . وإن كان نذرا مطلقا ففيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) أنه لا يجوز أن يأكل منه ; لأنه إراقة دم واجب فلا يجوز أن يأكل منه كدم الطيب واللباس ( والثاني ) يجوز ; لأن مطلق النذر يحمل على ما تقرر في الشرع ، والهدي والأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها ، فحمل النذر عليه ( والثالث ) أنه إن كان أضحية جاز أن يأكل منها ; لأن الأضحية المعهودة في الشرع يجوز الأكل منها ، وإن كان هديا لم يجز أن يأكل منه ; لأن أكثر الهدايا في الشرع يجوز الأكل منها فحمل النذر عليها ) .

التالي السابق


( الشرح ) حديث جابر رواه مسلم في صحيحه بحروفه ، والبضعة - بفتح الباء لا غير - وهي القطعة من اللحم . وقوله " ما غبر " أي ما بقي . وقوله ( وأشركه في هديه ) أي في ثوابه ، وإنما أخذ بضعة من كل بدنة وشرب من مرقها ، ليكون قد تناول من كل واحدة شيئا . وقوله ( ; لأنه ذبيحة يجوز أن يأكل منها ) احتراز من جزاء الصيد والمنذورة .

( أما الأحكام ) فللأضحية والهدي حالان ( أحدهما ) أن يكون تطوعا فيستحب الأكل منهما ولا يجب ، بل يجوز التصدق بالجميع . هذا هو المذهب وبه قطع جماهير الأصحاب وهو مذهب عامة العلماء ، وحكى الماوردي عن أبي الطيب بن سلمة وجها أنه لا يجوز التصدق بالجميع ، [ ص: 392 ] بل يجب أكل شيء لظاهر قوله تعالى { فكلوا منها وأطعموا } والصحيح الأول .

قال أصحابنا : والأفضل أن يتصدق بأدنى جزء كفاه بلا خلاف ; لأن اسم الإطعام والتصدق يقع عليه وفي القدر الذي يستحب أن لا ينقص التصدق عنه قولان ( القديم ) يأكل النصف ويتصدق بالنصف ( والأصح ) الجديد . قال الرافعي : واختلفوا في التعبير عن الجديد ، فنقل جماعة عنه أنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين ونقل المصنف وآخرون عنه أنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلث على المساكين ويهدي الثلث إلى الأغنياء أو غيرهم ، وممن حكى هذا الشيخ أبو حامد ، ثم قال أبو حامد : ولو تصدق بالثلث كان أفضل قال الرافعي : ويشبه أن لا يكون اختلاف في الحقيقة ، بل من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر الأفضل أو توسع فعد الهدية صدقة ، قال : والمفهوم من كتاب الأصحاب أن الهدية لا تغني عن التصدق بشيء إذا أوجبناه ، وإنما لا تستحب من القدر الذي يستحب التصدق به . واتفق أصحابنا على أنه يجوز أن يصرف القدر الذي لا بد من التصدق به إلى مسكين واحد بخلاف سهم الصنف الواحد من الزكاة فإنه لا يجوز صرفه إلى أقل من ثلاثة ، والفرق أنه يجوز هنا الاقتصار على جزء يسير بحيث لا يمكن صرفه إلى أكثر من واحد . قال أصحابنا : وليس له أن يتلف من لحم المتطوع بها شيئا ، بل يأكل ويطعم ولا يجوز تمليك الأغنياء منها شيئا ، وإنما يجوز إطعامهم والهدية إليهم ، ويجوز تمليك الفقراء منها ليتصرفوا فيه بالبيع وغيره ، فلو أصلح الطعام ودعا إليه الفقراء قال إمام الحرمين : الذي ينقدح عندي أنا إذا أوجبنا التصدق بشيء أنه لا بد من التمليك كما في الكفارة ، وكذا صرح به الروياني فقال : لا يجوز أن يدعو الفقراء ليأكلوه مطبوخا ; لأن [ ص: 393 ] حقهم في تملكه ، قال : وإن دفع مطبوخا لم يجزه بل يفرقه نيئا ; لأن المطبوخ كالخبز في الفطرة ، والله أعلم .

وهل يشترط التصدق منها بشيء أم يجوز أكلها جميعا ، فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ( أحدهما ) يجوز أكل الجميع ، قاله ابن سريج وابن القاص والإصطخري وابن الوكيل ، وحكاه ابن القاص عن نص الشافعي ، قالوا : وإذا أكل الجميع ففائدة الأضحية حصول الثواب بإراقة الدم بنية القربة ( والقول الثاني ) وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين ، وهو الأصح عند جماهير المصنفين ، ومنهم المصنف في التنبيه يجب التصدق بشيء يطلق عليه الاسم ، ; لأن المقصود إرفاق المساكين ، فعلى هذا إن أكل الجميع لزمه الضمان ، وفي قدر الضمان خلاف ( المذهب ) منه أن يضمن ما ينطلق عليه الاسم ( وفي قول ) وبعضهم يحكيه وجها أنه يضمن القدر الذي يستحب أن لا ينقص في التصدق عنه ، وهو النصف والثلث فيه القولان السابقان ، ودليل الجميع في الكتاب . قال المصنف وغيره : وهذا الخلاف مبني على القولين فيمن دفع سهم صنف من أصناف الزكاة إلى اثنين مع وجود الثالث .

وحكى ابن كج والماوردي والدارمي وجها شاذا أنه يضمن الجميع بأكثر الأمرين من قيمتها ومثلها ; لأنه عدل عن حكم الأضحية بأكله الجميع ، فكأنه أتلفها ، وهذا الوجه حكي عن أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة ، وحكاه الدارمي عن ابن القطان . وعلى هذا يذبح البدل في وقت التضحية ، فإن أخره عن أيام التشريق ففي إجزائه وجهان ( أصحهما ) يجزئه ، وفي جواز الأكل من البدل وجهان . وهذا الوجه المحكي عن ابن كج والماوردي وما تفرع عليه شاذ ضعيف ، والمعروف ما سبق من الخلاف . ثم ما ضمنه على الخلاف السابق لا يتصدق به دراهم ، بل فيما يلزمه وجهان ( أحدهما ) [ ص: 394 ] صرفه إلى شقص أضحية ( والثاني ) وهو الأصح يكفي أن يشتري به لحما ويتصدق به . هذا هو المشهور . وحكى صاحب البيان وجها ثالثا أنه يتصدق به دراهم ، وادعى أنه الأصح المنصوص . وعلى الوجهين الأولين يجوز تأخير الذبح والتفرقة عن أيام التشريق ; لأن الشقص واللحم ليس بأضحية ولا يشترط فيه وقتها ، ولا يجوز أن يأكل منه ، والله تعالى أعلم .

( الحال الثاني ) أن يكون الهدي أو الأضحية منذورا ، قال الأصحاب كل هدي وجب ابتداء من غير التزام كدم التمتع والقران وجبرانات الحج لا يجوز الأكل منه بلا خلاف ، فلو أكل منه غرم ولا يجب إراقة الدم ثانيا ، وفيما يغرمه أوجه ( أصحها ) وهو نصه في القديم يغرم قيمة اللحم ، كما لو أتلفه غيره . ( والثاني ) يلزمه مثل ذلك اللحم فيتصدق به ( والثالث ) يلزمه شقص من حيوان مثله ، ويشارك في ذبيحة ; لأن ما أكله بطل حكم إراقة الدم فيه فصار كما لو ذبحه وأكل الجميع فإنه يلزمه دم آخر . وأما الملتزم بالنذر من الهدايا ، فإن عينه بالنذر عما في ذمته من دم حلق أو تطيب ولباس وغير ذلك لم يجز له الأكل منه ، كما لو ذبح شاة بهذه النية بغير نذر وكالزكاة ، وإن نذر نذر مجازاة ، كتعليقه التزام الهدي أو الأضحية بشفاء المريض ونحوه لم يجز الأكل منه أيضا كجزاء الصيد ، ومقتضى كلام الأصحاب أنه لا فرق بين كون الملتزم معينا أو مرسلا في الذمة ثم يذبح عنه ، فإن أطلق الالتزام فلم يعلقه بشيء وقلنا بالمذهب أنه يصح نذره ويلزمه الوفاء - نظر فإن كان الملتزم معينا بأن قال لله علي أن أضحي بهذه أو أهدي هذه - ففي جواز الأكل منها قولان ووجه أو ثلاثة أوجه ( أصحها ) لا يجوز الأكل من الهدي ولا الأضحية ( والثاني ) يجوز ( والثالث ) يجوز من الأضحية دون الهدي وأدلة الثلاثة في الكتاب .

ومن هذا القبيل ما إذا [ ص: 395 ] قال جعلت هذه الشاة ضحية من غير تقدم التزام . أما إذا التزم في الذمة ثم عين شاة عما عليه فإن لم نجوز الأكل من المعينة ابتداء فههنا أولى . وإلا فقولان أو وجهان ( الأصح ) لا يجوز . قال الرافعي هكذا فصل حكم الأكل من الملتزم كثيرون من المعتبرين وهو المذهب وأطلق جماعة في جواز الأكل وجهين ، ولم يفرقوا بين نذر المجازاة وغيره ولا بين الملتزم المعين والمرسل بالمنع . قال أبو إسحاق : قال المحاملي وغيره : وهو المذهب واختار القفال والإمام الجواز قال الرافعي : ويشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز وفي المرسل المنع سواء عين عينه ثم ذبح أو ذبح بلا تعيين ; لأنه عن دين في الذمة فأشبه الجبرانات . وبهذا قال الماوردي وهو مقتضى سياق الشيخ أبي علي وحيث منعنا الأكل في المنذورة فأكل فعليه الغرم وفيما يغرمه الأوجه الثلاثة السابقة في الجبرانات .

وحيث جوزنا الأكل ففي قدر ما يأكله القولان في أضحية التطوع . كذا قاله البغوي . قال الرافعي : ولك أن تقول ذلك الخلاف في قدر المستحب أكله . ولا يبعد أن يقال لا يستحب الأكل ، وأقل ما في تركه الخروج من الخلاف ، والله أعلم . .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث