الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قم فأنذر وربك فكبر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( قم فأنذر وربك فكبر )

قوله تعالى : ( قم فأنذر ) .

في قوله تعالى : ( قم ) وجهان :

أحدهما : قم من مضجعك .

والثاني : قم قيام عزم وتصميم .

وفي قوله : ( فأنذر ) وجهان :

أحدهما : حذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا . وقال ابن عباس : قم نذيرا للبشر ، احتج القائلون بالقول الأول بقوله تعالى : ( وأنذر ) واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) [ سبأ : 28] وههنا قول ثالث ، وهو أن المراد : فاشتغل بفعل الإنذار ، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة ، فإنه فرق بين أن يقال تعلم صنعة المناظرة ، وبين أن يقال : ناظر زيدا .

قوله تعالى : ( وربك فكبر ) فيه مسألتان :

المسألة الأولى : ذكروا في تفسير التكبير وجوها :

أحدها : قال الكلبي : عظم ربك مما يقوله عبدة الأوثان .

وثانيها : قال مقاتل : هو أن يقول : الله أكبر ، روي : " أنه لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال : الله أكبر كبيرا ، فكبرت خديجة وفرحت ، وعلمت أنه أوحي إليه " .

وثالثها : المراد منه التكبير في الصلوات ، فإن قيل : هذه السورة نزلت في أول البعث وما كانت الصلاة واجبة في ذلك الوقت ؟ قلنا : لا يبعد أنه كانت له عليه السلام صلوات تطوعية ، فأمر أن يكبر ربه فيها .

ورابعها : يحتمل عندي أن يكون المراد أنه لما قيل له : ( قم فأنذر ) قيل بعد ذلك : ( وربك فكبر ) عن اللغو والعبث . [ ص: 169 ] واعلم أنه ما أمرك بهذا الإنذار إلا لحكمة بالغة ، ومهمات عظيمة ، لا يجوز لك الإخلال بها ، فقوله : ( وربك ) كالتأكيد في تقرير قوله : ( قم فأنذر ) .

وخامسها : عندي فيه وجه آخر وهو أنه لما أمره بالإنذار ، فكأن سائلا سأل ، وقال : بماذا ينذر ؟ فقال : أن يكبر ربه عن الشركاء والأضداد والأنداد ومشابهة الممكنات والمحدثات ، ونظيره قوله في سورة النحل : ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) [النحل : 2] وهذا تنبيه على أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات .

المسألة الثانية : الفاء في قوله : ( فكبر ) ذكروا فيه وجوها :

أحدها : قال أبو الفتح الموصلي : يقال : زيدا فاضرب ، وعمرا فاشكر ، وتقديره زيدا اضرب وعمرا اشكر ، فعنده أن الفاء زائدة .

وثانيها : قال الزجاج : دخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية ، والمعنى : قم فكبر ربك وكذلك ما بعده على هذا التأويل .

وثالثها : قال صاحب " الكشاف " : الفاء لإفادة معنى الشرط ، والتقدير : وأي شيء كان فلا تدع تكبيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث