الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غسل فوق المرفقين وفوق الكعبين في الوضوء

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى ( والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم : { تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل } ) .

التالي السابق


( الشرح ) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، وفي رواية لمسلم عن نعيم قال : { رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ، ثم غسل اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ، ثم اليسرى حتى أشرع في الساق ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ } .

وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء ، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله } ، هذا لفظ رواية مسلم وعن أبي حازم قال : { كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمر يده حتى تبلغ إبطيه فقلت : يا أبا هريرة ما هذا الوضوء ؟ فقال : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء } رواه مسلم بلفظه هنا ، ورواه البخاري بمعناه في أواخر الكتاب في كتاب اللباس في إتلاف الصور ، وفيه التصريح ببلوغ أبي هريرة رضي الله عنه بالماء إبطيه وعن نعيم { أنه رأى أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى [ ص: 458 ] الساقين ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل } رواه مسلم ، والغرة بياض في وجه الفرس ، والتحجيل في يديه ورجليه ، ومعنى الحديث يأتون بيض الوجوه والأيدي والأرجل . أما حكم المسألة فاتفق أصحابنا على استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين ، ثم إن جماعة منهم أطلقوا استحباب ذلك ولم يحدوا غاية الاستحباب بحد كما أطلقه المصنف - رحمه الله - ، وقال جماعة : يستحب إلى نصف الساق والعضد ، وقال القاضي حسين وآخرون : يبلغ به الإبط والركبة ، وقال البغوي : نصف العضد فما فوقه ونصف الساق فما فوقه والله أعلم .

( فرع ) اختلفت عبارات الأصحاب في المراد بتطويل الغرة ، فظاهر كلام المصنف - رحمه الله - أنها في اليدين والرجلين ، وكذا قاله إمام الحرمين رحمه الله في كتابه الأساليب في الخلاف في مسألة تكرار مسح الرأس ، ثم في مسألة مسح الأذنين ، وصاحب العدة وغيرهما ، وقال الغزالي - رحمه الله - : إذا قطعت يده فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده ، فإن تطويل الغرة مستحب ، وهذا مما أنكر على الغزالي لتصريحه بأن الغرة تكون في اليد ، ولا خلاف عند أهل اللغة وغيرهم في أن الغرة مختصة بالوجه .

وقال القاضي حسين في تعليقه : إسباغ الوضوء سنة وإطالة للغرة ، وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتى يغسل جزءا من رأسه ، ويغسل اليدين إلى المنكبين ، والرجلين إلى الركبتين .

وقال المتولي : تطويل الغرة سنة ، وهو أن يغسل بعض مقدم رأسه مع الوجه ، وتطويل التحجيل سنة ، وهو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم .

وقال الرافعي - رحمه الله - : اختلف الأصحاب في ذلك ففرق بعضهم بين الغرة والتحجيل فقالوا : تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذا صفحة العنق ، وتطويل التحجيل غسل بعض العضد والساق وغايته استيعاب العضد والساق ، قال : وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق ، وأعرضوا عما حوالي الوجه ، قال : والأول أولى وأوفق لظاهر [ ص: 459 ] الحديث .

وقال الرافعي في موضع آخر عند استحباب غسل باقي العضد بعد القطع : إن قيل : كيف قال الغزالي يغسل الباقي لتطويل الغرة ، والغرة إنما هي في الوجه والذي في اليد التحجيل ؟ قلنا : تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن ، فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة إشارة إلى النوع ، على أن أكثرهم لا يفرقون بينهما ويطلقون تطويل الغرة في اليد ، قال : ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : { فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل } وإنما يمكن الإطالة في اليد ; لأن الوجه يجب استيعابه ، قال الرافعي : وهذا الاحتجاج ليس بشيء ; لأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق وهو مستحب نص عليه الأئمة ، هذا كلام الرافعي .

قلت : الصحيح أن الغرة غير التحجيل لقوله صلى الله عليه وسلم : { فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله } فهذا صريح في المغايرة بينهما ، ورواية الاقتصار على الغرة لا تخالف هذا ; لأن في هذا زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة ، ولأنه قد يطلق أحد القرينين ويكون الآخر مرادا كقوله تعالى - : { سرابيل تقيكم الحر } أي : والبرد ، وإذا ثبت تغايرهما فأحسن ما فيه ما قدمناه عن المتولي والرافعي ، ومرادهما غسل جزء يسير من الرأس وما يلاصق الوجه من صفحة العنق ، وهذا غير الجزء الواجب الذي لا يتم غسل الوجه إلا به .

( فرع ) هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وهو مذهب أبي هريرة كما سبق .

وقال أبو الحسن بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري : هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه ، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا ، وهذا الذي قاله ابن بطال من الإنكار على أبي هريرة خطأ ; لأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما قدمناه عنه ، ولأن تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله على المذهب الصحيح لأهل الأصول ، وأما نقله الإجماع فلا يقبل مع خلاف أبي هريرة وأصحابنا ، وأما كون أكثر [ ص: 460 ] العلماء لم يذكروه ولم يقولوا به فلا يمنع كونه سنة بعد صحة الأحاديث فيه ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : { فمن زاد على هذا فقد أساء } فالمراد زاد في العدد فغسل أكثر من ثلاث مرات ، كما سنوضحه قريبا إن شاء الله - تعالى - والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث