الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


كتاب الصلاة في رمضان باب الترغيب في الصلاة في رمضان

حدثني يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان [ ص: 411 ]

التالي السابق


[ ص: 411 ] 6 - كتاب الصلاة في رمضان

1 - باب الترغيب في الصلاة في رمضان

- 250 246 ( مالك عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عروة بن الزبير ) بن العوام ( عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ) صلاة الليل ( في المسجد ذات ليلة ) من ليالي رمضان ، وفي رواية عمرة عن عائشة عند البخاري : " أنه صلى في حجرته " وليس المراد بها بيته بل الحصير التي كانت يحتجر بها بالليل في المسجد فيجعلها على باب بيت عائشة فيصلي فيه ويجلس عليه ، وقد جاء ذلك مبينا من طريق سعيد المقبري عن أبي سلمة عن عائشة : " كان يحتجر حصيرا بالليل فيصلي عليه ويبسطه بالنهار فيجلس عليه " رواه البخاري في اللباس .

ولأحمد من رواية محمد بن إبراهيم عن عائشة : " فأمرني أن أنصب له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج " الحديث .

قال النووي : معنى يحتجر يحوط موضعا من المسجد بحصير يستره ليصلي فيه ولا يمر بين يديه مار ليتوفر خشوعه ويتفرغ قلبه .

وتعقبه الكرماني بأن لفظ الحديث لا يدل على أن احتجاره كان في المسجد ، ولو كان كذلك لزم أن يكون تاركا للأفضل الذي أمر الناس به بقوله : " صلوا في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة " ثم أجاب بأنه صح أنه كان في المسجد فهو إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه ، أو أن سبب كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبا والنبي - صلى الله عليه وسلم - منزه عن الرياء في بيته وفي غير بيته .

( فصلى بصلاته ناس ثم صلى الليلة القابلة ) وللبخاري من هذا الطريق من القابلة ولبعض رواته من القابل بالتذكير أي الوقت ، ولأحمد من رواية معمر عن ابن شهاب من الليلة المقبلة .

( فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة ) بالشك في رواية مالك ، ولمسلم من رواية يونس عن ابن شهاب : [ ص: 412 ] " فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الليلة الثانية فصلوا معه فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله " ولأحمد من رواية معمر عن الزهري : " امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله " وله من طريق سفيان بن حسين عنه : " فلما كانت الرابعة غص المسجد بأهله " ( فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) زاد في رواية أحمد عن ابن جريج عن ابن شهاب : " حتى سمعت ناسا منهم يقولون الصلاة " ، وفي رواية سفيان بن حسين : " فقالوا : ما شأنه " وفي حديث زيد بن ثابت : " ففقدوا صوته وظنوا أنه قد تأخر فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم " وفي لفظ عن زيد : " فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب " رواهما البخاري .

قال ابن عبد البر : تفسر هذه الليالي المذكورات في حديث عائشة بما رواه النعمان بن بشير قال : " قمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل ثم قمنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا ألا ندرك الفلاح وكان يسمون به السحور " أخرجه النسائي .

وأما عدد ما صلى ففي حديث ضعيف عن ابن عباس : " أنه صلى عشرين ركعة والوتر " أخرجه ابن أبي شيبة .

وروى ابن حبان عن جابر : " أنه صلى بهم ثمان ركعات ثم أوتر " وهذا أصح .

وقال الحافظ : لم أر في شيء من طرقه أي حديث عائشة بيان عدد صلاته في تلك الليالي ، لكن روى ابن خزيمة وابن حبان عن جابر : " صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا : يا رسول الله " الحديث ، فإن كانت القصة واحدة احتمل أن جابرا ممن جاء في الليلة الثانية فلذا اقتصر على وصف ليلتين ، وما في مسلم عن أنس : " كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه فجاء رجل فقام حتى كنا رهطا فلما أحس بنا تجوز ثم دخل رجل " الحديث ، فالظاهر أن هذا كان في قصة أخرى .

( فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم ) من حرصكم على الصلاة معي ، وفي رواية للبخاري : " فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال : أما بعد فإنه لم يخف علي مكانكم " وفي مسلم : " شأنكم " .

( ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم ) صلاة الليل فتعجزوا عنها كما في رواية يونس عند مسلم ونحوه في رواية عقيل عند البخاري أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها ، وليس المراد العجز الكلي لأنه يسقط التكليف من أصله ، وقد استشكلت هذه الخشية مع قوله سبحانه : هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي فإذا أمن التبديل كيف يخاف من الزيادة ؟ وأجاب الخطابي بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به [ ص: 413 ] فيها عند المواظبة ، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب بطريق الأمر بالاقتداء به لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس ، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فيجب عليه ولا يلزم زيادة فرض في أصل الشرع ، وباحتمال أن الله لما فرض الصلاة خمسين ثم حط معظمها بشفاعة نبيه فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر أن يثبت ذلك فرضا كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم ثم عاب الله التقصير فيها بقوله : فما رعوها حق رعايتها ( سورة الحديد : الآية 27 ) فخشي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون سبيلهم سبيل أولئك فقطع العمل شفقة عليهم انتهى . وتبعه جماعة من الشراح وهو مبني على وجوب قيام الليل ووجوب الاقتداء بأفعاله في كل شيء وفي كل من الأمرين نزاع .

وجواب الكرماني بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد الأمن من نقص شيء ولم يتعرض للزيادة ، فيه نظر ; لأن ذكر المضعف بقوله : هن خمس وهن خمسون إشارة إلى عدم الزيادة أيضا لأن التضعيف لا ينقص عن العشر ، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان قابل للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض ، فيه نظر ؛ لأن قوله " ما يبدل القول لدي " خبر ولا يدخله النسخ على الراجح وليس كقوله مثلا : صوموا الدهر أبدا فإنه يجوز فيه النسخ .

وقال الباجي : قال القاضي أبو بكر يحتمل أن يكون أوحى الله إليه أنه إن واصل الصلاة معهم فرضها عليهم ، ويحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت عادته بأن ما داوم عليه على وجه الاجتماع فرض على أمته ، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده إذا داوم عليها وجوبها ، وإلى الثالث نحا القرطبي فقال : قوله أن يفرض عليكم أي تظنونه فرضا فيجب من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو حرمته فيجب عليه العمل به ، وقيل : كان حكمه - صلى الله عليه وسلم - إذا واظب على شيء من الأعمال واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم اهـ .

ولا يخفى بعده فقد واظب على رواتب الفرائض وتابعه أصحابه ولم تفرض .

وقال ابن بطال : يحتمل أن هذا القول صدر منه - صلى الله عليه وسلم - لما كان قيام الليل فرضا عليه دون أمته فخشي إن خرج إليهم والتزموه معه أن يسوي بينهم وبينه في حكمه لأن أصل الشرع المساواة بين النبي وأمته في العبادة .

ويحتمل أنه خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها فيعصي تاركها بترك اتباعه - صلى الله عليه وسلم - .

قال الحافظ : وحديث : هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي يدفع في صدور هذه الأجوبة كلها ، وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة سواها : أحدها أنه خاف جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة التنفل بالليل ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت : " خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم " [ ص: 414 ] فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقا عليهم من اشتراطه ، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم .

ثانيها : أنه خاف افتراضه كفاية لا عينا فلا يكون زائدا على الخمس بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها .

ثالثها : أنه خاف فرض قيام رمضان خاصة كما قال .

( وذلك في رمضان ) وفي رواية سفيان بن حسين : " خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر " فعلى هذا يرتفع الإشكال لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة فلا يكون ذلك قدرا زائدا على الخمس .

قال : وأقوى هذه الثلاثة في نظري الأول ، وفي الحديث ندب قيام الليل ولا سيما في رمضان جماعة لأن الخشية المذكورة أمنت بعده ولذا جمعهم عمر كما في الحديث التالي ، وفيه أن الكبير إذا فعل شيئا خلاف ما اعتاده أتباعه أن يذكر لهم عذره وحكمه ، وشفقته - صلى الله عليه وسلم - على أمته ورأفته بهم وترك بعض المصالح لخوف المفسدة وتقديم أهم المصلحتين وجواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة ، وفيه نظر لأن نفي النية لم ينقل ولم يطلع عليه بالظن وترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة وأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث