الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في أحكام النذر

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثاني

في أحكام النذر

إذا صح النذر ، لزم الوفاء به . والمعتبر فيه : مقتضى ألفاظ الالتزام . والملتزمات أنواع .

الأول : الصوم ، فإن أطلق التزامه ، فقال : لله علي صوم ، أو أن أصوم ، لزمه صوم يوم . ويجيء فيه وجه ضعيف : أنه يكفيه إمساك بعض يوم ، بناء على أن النذر ينزل على أقل ما يصح من جنسه ، وأن إمساك بعض اليوم صوم ، وسنذكرهما إن شاء الله تعالى . ولو نذر صوم أيام وقدرها ، فذاك . وإن أطلق ذكر الأيام ، لزمه ثلاثة . ولو قال : أصوم دهرا أو حينا ، كفاه صوم يوم .

[ ص: 306 ] فرع :

هل يجب تبييت النية في الصوم المنذور ، أم تكفي نيته قبل الزوال ؟ يبنى ذلك على أنه إذا التزم عبادة بالنذر وأطلقها ، فعلى أي شيء ينزل نذره ؟ فيه قولان مأخوذان من معاني كلام الشافعي - رحمه الله - .

أحدهما : ينزل على أقل واجب من جنسه يجب بأصل الشرع ؛ لأن المنذور واجب ، فجعل كواجب بالشرع ابتداء . والثاني : ينزل على أقل ما يصح من جنسه . وقد يقال : على أقل جائز الشرع ؛ لأن لفظ الناذر لا يقتضي التزام زيادة عليه . وهذا الثاني ، أصح عند الإمام ، والغزالي ، ولكن الأول أصح ، فقد صححه العراقيون ، والروياني ، وغيرهم . فإن قلنا بالقول الأول ، أوجبنا التبييت ، وإلا ، جوزناه بنية من النهار ، هذا إذا أطلق نذر الصوم . فأما إذا نذر صوم يوم أو أيام ، فصحته بنية النهار مع التنزيل على أقل ما يصح ، تنبني على أصل آخر ، وهو أن صوم التطوع إذا نواه نهارا ، هل يكون صائما من وقت النية ، أم من أول النهار ؟ وفيه خلاف سبق في بابه .

والأصح : الثاني . فإن قلنا به ، صح صوم الناذر بنية النهار ، وإلا ، وجب التبييت . وينبني على القولين في تنزيل النذر ، مسائل :

منها : لو نذر أن يصلي وأطلق ، إن قلنا بالقول الثاني ، فركعة ، وإلا ، فركعتان ، وهو المنصوص .

ومنها : جواز الصلاة قاعدا مع القدرة على القيام ، فيه وجهان بناء عليهما . فلو نذر أن يصلي قاعدا ، جاز القعود قطعا ، كما لو صرح بنذر ركعة ، أجزأته قطعا . فإن صلى قائما ، فهو أفضل . ولو نذر أن يصلي قائما ، لزمه القيام قطعا . ولو نذر أن يصلي ركعتين ، فصلى أربعا بتسليمة واحدة بتشهد أو بتشهدين ، قطع صاحب " التهذيب " بجوازه . وفي التتمة : فيه وجهان . ويمكن بناؤه على [ ص: 307 ] الأصل السابق : إن نزلنا على واجب الشرع ، لم يجزئه كما لو صلى الصبح أربعا ، وإلا ، أجزأه . وإن نذر أربع ركعات ، فإن نزلنا على واجب الشرع ، أمرناه بتشهدين . فإن ترك الأول ، سجد للسهو ، ولا يجوز أداؤها بتسليمتين . وإن نزلنا على الجائز . تخير ، إن شاء أداها بتشهد ، وإن شاء بتشهدين . ويجوز بتسليمتين ، بل هو أفضل .

قلت : الأصح : أنه يجوز بتسليمتين . والفرق بين هذه المسألة وباقي المسائل المخرجة على هذا الأصل عليه ، وقوع الصلاة مثنى ، وزيادة فضلها . والله أعلم .

ولو نذر أن يصلي ركعتين على الأرض مستقبلا القبلة ، لم يجز فعلهما على الراحلة . ولو نذر فعلهما على الراحلة ، فله فعلهما على الأرض مستقبلا . وإن أطلق ، فعلى أيهما يحصل ؟ فيه خلاف مبني على هذا الأصل . وأما لو نذر أن يتصدق ، فإنه لا يحمل على خمسة دراهم ، أو نصف دينار ، بل يجزئه أن يتصدق بدانق ودونه مما يتمول ؛ لأن الصدقة الواجبة في الزكاة غير منحصرة في نصاب الذهب والفضة ، بل تكون في صدقة الفطر وفي الخلطة .

ومنها : إذا نذر إعتاق رقبة ، فإن نزلنا على واجب الشرع ، لزمه رقبة مؤمنة سليمة ، وإلا ، أجزأه كافرة معيبة . قال الداركي : الأول أصح .

قلت : الأصح عند الأكثرين : الثاني . منهم المحاملي ، وصاحبا " التنبيه " و " المستظهري " ، وهو الراجح في الدليل . والله أعلم .

فلو قيد ، فقال : لله علي إعتاق رقبة مؤمنة سليمة ، لم تجزئه الكافرة ولا المعيبة قطعا . ولو قال : كافرة ، أو معيبة ، أجزأته قطعا . ولو أعتق مسلمة ، أو سليمة ، فقيل : لا تجزئه ، والصحيح : أنها تجزئه ؛ لأنها أكمل ، وذكر الكفر والعيب ، ليس للتقرب ، بل لجواز الاقتصار على الناقص ، فصار كمن نذر التصدق بحنطة رديئة ، يجوز له التصدق بالجيدة . ولو قال : علي أن أعتق هذا الكافر ، أو المعيب ، لم يجزئه غيره ، [ ص: 308 ] لتعلق النذر بعينه . أما لو نذر أن يعتكف ، فليس جنس الاعتكاف واجبا بالشرع ، وقد سبق في بابه وجهان في أنه هل يشترط اللبث ، أم يكفي المرور في المسجد مع النية ؟ والأول أصح . فعلى هذا لا بد من لبث ، ويخرج عن النذر بلبث ساعة ، ويستحب أن يمكث يوما . وإن اكتفينا بالمرور ، فللإمام فيه احتمالان .

أحدهما : يشترط لبث ؛ لأن لفظ الاعتكاف يشعر به . والثاني : لا ، حملا له على حقيقته شرعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث